قرابين المتظاهرين عبدت طريق الحرية
بقلم : سارية العمري
اوصاف عدة اطلقت على التظاهرات والاحتجاجات العراقية التي تجوب محافظات الوسط والجنوب ، وهي بغض النظر عن تسميتها تطرح اسئلة كثيرة عن مستقبلها وتاثيراتها على العملية السياسية وعن السيناريو الاسوأ الذي ينتظرها ، خصوصا وان السلطتين التشريعية والتنفيذية في بادئ الامر اكدتا على سلميتها وشرعيتها من حيث الحقوق التي خرج المتظاهرين من اجلها ، وما ان زادت ذروة هذه الاحتجاجات سرعان ما انطلقت تصريحات المسؤولين الذين لم يرق لأغلبهم سلميتها ليضفوا عليها عبارات التسييس والارتباط بأجندات خارجية وحسابات سياسية وفئوية ، الأمر الذي دفع الحكومة الى استخدام القوة المفرطة والرصاص الحي ضدها ، ما أوقع عدد من القتلى وعشرات من الجرحى ، ليطلقوا رصاصة الرحمة على الدستور الذي ضمن وكفل حقوق المحتجين المشروعة من خلال ما يعرف بـ ” بحق التعبير ” والذي خُط بايدي هؤلاء السياسيين وديمقراطية الأنياب التي انتهجونها .
لقد انكسرت شماعة الارهاب التي كانت الطبقة السياسية تعلق اخطائها وفشلها المتكرر عليها وانقشعت غمامة السيطرات الوهمية التي كانت تقتل العراقيين واختفت الحمى النزفية التي كانت تطرب اسماع قائليها منذ الساعات الأولى لانطلاق الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالكرامة والعيش الرغيد في بلد يعج بالخيرات التي وهبها الله لـ ” بلاد الرافدين ” وحرمها منهم من يدعون انهم ساستها وقادتها وولاة امر العراقيين ، خصوصا وان واردات النفط لشهر حزيران بلغت ( 7 مليار دولار ) عداً ونقداً وهذا ليس من نسج خيال كاتب هذه السطور وانما جاء على لسان موظف كبير في شركة سومو العراقية ، مايعني ان باستطاعت اي حكومة شريفة تخاف الله ان تحقق الرخاء للعراقيين على حدٍ سواء ، بدليل ان حكومة العبادي المنتهية عمرها اصدرت عدة قرارات من اجل امتصاص غضب المحتجين وهذا مايؤكد وبما لايقبل الشك ان الحكومات المتعاقبة على رقاب العراقيين بعد 2003 لم يكن في سلم اولوياتها الاصلاح وانما الفساد وسرقة المال العام وتجويع وتشريد ومعاقبة ابناء البلد.
لقد ايقن العراقيين جميعا انه لامناص من مواصلة طريق الاحتجاجات ، كونها الطريق الوحيد لخلاص الشعب من براثن السياسيين الفاسدين وان الحقوق المشروعة لاتنتزع الا بضريبة ” الدم الطاهر ” الذي اريق على طريق الحرية التي سلكها المتظاهرون ، بعد تجربة ( 5 ) حكومات تعاقبت على حكمهم والتي لم يجنوا منها سوى الترقيع والتخدير والوعود الكاذبة ، ولعل اخرها مهزلة الانتخابات التي جرت في شهر مايو 2018 ومانتج عنها من تزوير واضح تجلى على لسان معظم السياسيين المشاركين في مايعرف بالعملية السياسية الجديدة في العراق .
لقد خرج اهلنا في الوسط والجنوب بتظاهرات حاشدة معبرين عن سخطهم الشديد ، بعد ان اكتتوا بنيران القهر والظلم الذي لاحقهم طوال عقد ونصف من سنوات الحكم العجاف ، وان خروجهم لم يكن من اجل الماء والكهرباء وانعدام الخدمات ، بل خرجوا مطالبين بتغيير وجوه العملية السياسية الفاسدة برمتها واستبدالها بوجوه وطنية شريفة ومخلصة ، موقنين ومؤمنين ان الخلاص من هذه الطبقة السياسية الفاسدة هو مناصهم الاول والاخير .
ان تظاهرات المحتجين كشفت عورة الطبقة السياسية من جديد ولم يبقى شيء يسترها سوى الاعتراف بالفشل ليثنوا على ما قاله زعيم منظمة بدر هادي العامري الذي سبق اقرانه بهذا الاعتراف الخجل ، وان يتركوا حبال السياسية التي احسنوا الرقص عليها ويغادروا العملية السياسية الفاشلة الى غير رجعة دون التفكير بطلب السماح والعودة مرة اخرى الى مسرحية الضحك على ذقون العراقيين الشرفاء ، فيجددوا بناء قصورهم وابراجهم العاجية من سرقات جيوب العراقيين ليكتبوا بعد ذلك على ابوابهم بقبح فج ” هذا من فضل ربي ” .




























