فزعة أحمد البشتير ونخوة جاسم الطارف
بقلم: عابر سبيل
فيما مضى من لفائف الزمن الماضي سمعنا من شهامة وأخلاق وسمو أهل البادية وفزعات الرجال ونخواتهم في ساحات الوغى، في أيام الشدائد والكوارث والمحن والأزمات المتتالية ، أيام التطاحنات القبلية وصولات الفرسان وإقتتالهم وغاراتهم ، في معارك القبائل المختلفة معتدين ومعتدى عليهم ، فمنهم من يقوم دفاعا عن أرضه وعرضه أو صاحبه ومنهم من يأثر لأخيه و لابن عمه ومنهم من يحمل رفيقه على ظهره أو ظهر فرسه ليخليه من المعركة رغم شدة الحرج وإحتدام وضراوة الإقتتال والمعارك في الصحراء.
لان الموقف يتطلب إن كل فارس يقوم ويجوب ويثني عن قريبه وصاحبه: قال تعالى :(يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه)الآية 34.
وكان الرجال يتسابق على شرف العلياء ونيل المعاني والحصول على النوماس كل من موقعه وقدرته وواجبه وظرفه الذي يتحتم عليه في تلك اللحظة القيام بها.
وكل هذة القصص والبطولات والسجايا، التي كنا نسمعها ونتابعها ونقرأها في بطون الكتب ، ونتلقفها من ألسنه وأفواه وذاكرة حافظي قصص التراث والموروث الشعبي البدوي الأصيل ، هذه الخصائل الرائعة والمواقف الصعبة ، سطرها لنا اليوم رجلان في هذا العصر الحديث، وترجمتها لنا مواقفهما المشرفة في ظروف صعبة للغاية ،في هذا الوقت الصعب الذي قلت فيه المروءة وشحت فيه النخوة وتلاشي فيه المعروف .
حيث قاما شخصان من قبيلة شمر من عشيرة الأسلم من أهل الجزيرة ، وشدا الرحال من العراق إلى جمهورية تركيا مدينة ( سامسون) ، قبل عدة ايام، حيث يرقد هناك صديقهما المريض (سعود النهيان) الذي عصفت به الظروف وهجرته سهام المنايا وغدر الزمان ، ليرقد في احد المستشفيات التركية طريح الفراش، بعد أن أصيب بمرض عضال خطير ، حيث نخره مرض السرطان اللعين منذ عدة شهور وهو بحاله حرجة ، ولم يبقى من جسمه إلا هيكلا عظميا يصارع الموت ويستنجد بالرحمن لينقذه من هذه المحنه والإبتلاء، ورغم مرضه الشديد الذي جعله جثه هامده، اخذته الشرطة التركية، إلى منزله مخفورا ومن ثم إلى المحكمة ، بتهمه جائرة وباطلة نسبت له بجريرة ظالمة وإفتراء كاذب ، وتهمه تحريضه على قتل أشخاص بالعراق ، ولما حضر محاميه أبلغه بأنه التهم ثابته وموثقة عليه ، (بالصوت والصورة)، ولا احد يستطيع أن يبرئه منها وينقذه من شر هذة المعضلة ، إلا ذوي وإباء المقتولين بالعراق لأنه مثبت بأنه المسبب والمحرض على قتلهم، وحين سمعا والدي المقتولين المغدورين المأسوف على شبابهم، الذين قتلوا ومعهم عدد من قريتهم ، قرر إباء الشباب المقتولين (أحمد البشتير الفحيمي الذي قتل له ولدان بنفس الحادثة المشؤومه، وجاسم محمد الطارف الفدغمي ) الذي قتل ولده معهما رحمهم الله جميعا، وذهبا الرجلان إلى المحكمة في تركيا ليدليان بشهادتهما ، بعد أن قطعا مسافة أكثر من الفي كيلو متر من السفر ، للشهادة لصالح المتهم المريض ، ( سعود النهيان) ، ويبلغا القاضي بانه بريء من قتل أولادنا ، وقد اجبر بالحضور أثناء الحادثة البشعة المؤلمة نكاية به والنيل من سمعته، في الجريمة البشعة التي راح ضحيتها ابنائنا، وكذلك ثله من خيرة شبابنا، ونحن نبرءه من هذه التهمة المغرضة، التي نسبت له زورا وظلما وبهتانا ، بقصد تورطه بالقتل وإبتلائه بدماء وأرواح ولادنا، وتلبيسه تهمة وجريمة لم يرتكبها اصلا بل نسبت له جورا، ونحن أباء المغدورين نشهد بذلك سرا وجهرا. ورغم مرارة ولوعة الفراق وصدمتهما ، التي لم يستطيعون التخلص منها، حيث قتلوا اولادهم أمام أعينهم بالرصاص الحي في مشهد مرعب وصادم وحزين ، ورغم ظروفهما المادية الصعبة، وبعد المسافة وقلة الحيلة وشحة مواردهما المالية ووضعهما المزري وحالتهم النفسية السيئة وإنكسارهما، اصرا على حضور المحكمة من دولة إلى دولة ، ومن مدينة إلى مدينة ومن مطار إلى مطار، ومن قافلة إلى حافلة ومن قطار إلى محطة، ووصلوا في الموعد المحدد للمحكمة التركية ليدليان بشهاداتهما بتاريخ 31 مارس 2022 ، وقد دهشت المحكمة و القاضي وكذلك المترجم من هول وصلابة واصرار وموقف وشهامة الرجلان لينصفا صديقهما الذي مابين الحياة والموت ، وتحملا وعثاء السفر الطويل ، ليبريان صديقهما المريض، الذي عجزت المحكمة ان تحضره نظرا لظروفه الصحية الخطرة البائسة واليائسة ، التي يعاني منها، لأنه يعيش بالرمق الأخير من حياته، وحين سمع بموقف أصدقائه اللذان اتيا من العراق فزعة ونخوة ونبلا منهما، انهمر بالبكاء وأختلط لديه اليأس من الحياة والتشبث بها لرفع التهمه عنه ، وارتفعت معنوياته لهذا الموقف الإنساني الشجاع النبيل الخالص ، الذي اظفى عليه الفرح ، وكان له الأثر الطيب في نفسه ، ليلوح لهم بالتحية على هكذا موقف إنساني رهيب، تقشعر له الأبدان ويهتز له الوجدان ، وتشيب له الولدان ، واثبتا أن الدنيا لازال فيها خير ولم ينقطع سبيل المعروف بين الناس ، وفيها أوفياء مثل هذان الرجلان النبلاء الشرفاء، اللذان اودعا شهادتهما العطرة الزكية ، وسطرا بذلك موقفا شهما وشجاعا وإنسانيا قل مثيله في زمن الكذب والنفاق والجحود ، وعادا إلى ديارهما ، لايملكون شيئا ولايرتجون إلا ارضاء الله ، وبياض الوجه.
(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم اكفرتكم بعد إيمانهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) الآية” 106″
صدق الله العظيم..






















