بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
حين تسقط القنابل، لا يسقط معها الحجر فقط، بل تسقط معها الضمائر.
في غزة، لا تدور عقارب الزمن إلى الأمام، بل تتوقف عند كل شهيد يُحتضَر، وكل طفل يُنتشل من تحت الركام، وكل أمّ تجلس عند أطلال بيتها تحتضن صمتاً أثقل من الصراخ. هناك، تحت سماء لا تعرف الرحمة، يُرتكب جُرمٌ بوجه مكشوف وبصوت مدوٍّ، بينما العالم يضع نظارته السوداء، ويغلق النوافذ، ويكتفي بمراقبة الاحتراق من بعيد.
غزة لا تموت فقط، بل تُذبح بصمت، تحت ذريعة تحالفات ومصالح، فيما الإنسانية تقف عند أبوابها مقيّدة، تتوسّل أن يُفكّ قيدها.
منذ السابع من أكتوبر 2023، يشهد قطاع غزة حرباً غير متكافئة، حوّل فيها الكيان الإسرائيلي المدنيين إلى أهداف مفتوحة، بذريعة “تحالف حركة حماس مع إيران”. لا أحد يجهل التباينات السياسية، لكن من المؤلم أن تُتخذ تلك التباينات مبرّراً لإبادة جماعية، وقصفٍ لا يميز بين رضيع نائم ومقاتل مسلّح.
حتى تاريخ 11 مارس 2025، ارتفعت حصيلة العدوان إلى أكثر من 45,227 شهيداً و111,927 جريحاً، بحسب بيانات وزارة الصحة وتقارير الأونروا. واليوم، ومع استمرار القصف، تتزايد هذه الأرقام بلا توقف.
غزة تحترق من كل الجهات.
المستشفيات لم تعد أماكن للشفاء، بل أهدافاً مفضّلة للقنابل الذكية. الطواقم الطبية باتت تعمل وسط الأنقاض، إن لم تكن قد أصبحت نفسها ضحية. أماكن توزيع الإغاثة لم تسلم، وقد أعلنت الأمم المتحدة مقتل 294 مدنياً في مراكز توزيع المعونات حتى تاريخ 23 يوليو 2025.
والمجاعة تتربص بالجميع.
في مايو 2025، حذرت أكثر من 100 منظمة غير حكومية من تفشي “مجاعة جماعية”، بعد أن توقفت قوافل الدقيق وأُغلقت المخابز. تقول الأونروا إن طفلاً من كل خمسة أطفال في مدينة غزة يعاني من سوء تغذية حاد. تلك ليست أرقاماً فقط، بل هي أرواحٌ تتلاشى بصمت في غياب الغذاء والدواء والأمان.
قبل العدوان، كانت غزة ترزح تحت نسبة بطالة بلغت 47%، و80% من سكانها يعتمدون على المساعدات الإنسانية. أما اليوم، فالحصار قد أحكم قبضته، والموت صار أسرع من الرغيف.
في مواجهة هذه الكارثة، تقف مواقف العديد من الحكومات العربية موقف المتفرج أو المتواطئ بالصمت.
تبرير العدوان بذريعة التخلص من “حماس” أو تقليص النفوذ الإيراني، بات غطاءً هشاً لسفك الدماء. وكأن الجغرافيا السياسية باتت أهم من دماء الأطفال، وأغلى من صرخات الأمهات، وأثمن من مستقبل شعب بأكمله.
على الصعيد الدولي، رغم إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق عدد من قادة الاحتلال الإسرائيلي، فإن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً، يجعل تلك القرارات حبراً على ورق.
تقرير أممي صدر في يونيو 2024 أشار إلى الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لقوانين الحرب في غزة، ومع ذلك، لم يُحاسب أحد، ولم تُرفع يد القاتل.
لكن، ما لا يدركه صُنّاع الموت، أن الحقيقة لا تموت.
سيأتي يوم يُفتح فيه هذا الملف، وتُسجّل الأسماء، وتُقرأ التفاصيل. وسيروي التاريخ كيف خذلت الإنسانية نفسها، وكيف ضاعت العدالة في زحام المصالح.
الخاتمة: نداء من قلب الجراح
يا ضمائر البشر…
غزة لا تطلب معجزة، بل تطلب حقاً.
غزة لا تنتظر الشفقة، بل العدالة.
غزة لا تسأل الكثير، فقط أن تتوقفوا عن قتلها باسم السياسة، وعن دفنها تحت رماد التحالفات.
إن بقاء هذا الصمت، خيانة للإنسانية.
وإن استمرار هذه الحرب، وصمة عار على جبين كل من سكت أو تواطأ أو برّر.
غزة تنزف، والإنسانية معها.
فهل آن أوانُ الصحوة؟





























