بقلم: الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
بلد لم يكن يوما مدللا بالثروات لكنه كان دائما مدللا برجاله ونسائه وشبابه بلد صنع من شح موارده قدرة على البقاء ومن صعوبة موقعه قوة على الصمود ومن الإنسان ثروته الأولى والأغلى بلد خرج منه أطباء ومهندسون وعلماء وقادة أعمال ومبرمجون وباحثون ومبدعون حملوا اسم الأردن إلى جامعات ومؤسسات وأسواق في مختلف أنحاء العالم ثم جعلوا الآخرين يعرفون أن خلف هذا الاسم عقلا يستطيع أن ينافس وأن وراء هذه المساحة الصغيرة وطنا أكبر بكثير من موارده.
لهذا أكتب عن الأردن.
لا أكتب من موقع المتشائم الذي يرى ما ينقصه ولا من موقع المجامل الذي يكتفي بتعداد ما حققه وإنما من موقع إنسان يؤمن بأن الوطن الذي نحبه يجب أن نراه كما هو وأن نمتلك الشجاعة لنقول أيضا ما يمكن أن يكون عليه وأنا أرى الأردن أكبر من واقعه الاقتصادي الراهن وأوسع من فرصه الحالية وأغنى من موارده الطبيعية لأن الثروة التي لا تنضب فيه هي الإنسان.
الأردن لا يحتاج إلى معجزة حتى يتقدم يحتاج إلى أن يطلق ما لديه وأن يثق بقدرات أبنائه وأن يجعل كفاءة مؤسساته على مستوى طموح قيادته وأن ينتقل من مرحلة صياغة الرؤى إلى مرحلة التنفيذ الذي يقاس أثره في حياة الناس.
لقد وضع جلالة الملك عبدالله الثاني التحديث الاقتصادي والإداري في صميم المشروع الوطني انطلاقا من إدراك واضح بأن بناء الأردن الحديث لا يقوم على إدارة الواقع فحسب بل على إعادة تشكيل قدرته على المنافسة والنمو ومن هنا جاء الدفع نحو اقتصاد أكثر تنافسية وبيئة أكثر جاذبية للاستثمار ومؤسسات أكثر كفاءة وفرص أوسع أمام الشباب وفي امتداد هذه الرؤية يأتي حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين ليعكس ملامح جيل جديد من القيادة أكثر قربا من تطلعات الشباب وأكثر انفتاحا على التكنولوجيا والابتكار واقتصاد المعرفة وأكثر استعدادا لإستشراف المستقبل باعتباره مساحة نصنعها لا مجرد مرحلة ننتظرها.
ولا يكتمل الحديث عن الإنسان الأردني ودوره في صناعة المستقبل دون الوقوف عند حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله بوصفها نموذجا رفيعا للمرأة الأردنية التي جمعت بين الرؤية والريادة والعطاء وحملت صوت المرأة الأردنية إلى أرفع المحافل الدولية بحضور يليق بمكانة الأردن فقد أسهمت في إبراز قضايا المرأة والتعليم والتمكين والتنمية وقدمت صورة للمرأة الأردنية تحمل قيمة وطنية وإنسانية تعكس ما تمتلكه المرأة من وعي وكفاءة وقدرة على العطاء وتؤكد أن الريادة حين تقترن بالمعرفة والمسؤولية تصبح قوة ناعمة ترفع اسم الأردن وتفتح أمام أبنائه وبناته آفاقا أوسع للنماء والتأثير.
هذه الإرادة السياسية مهمة لأنها تحدد الاتجاه وتمنح الدولة مشروعا واضحا للمستقبل لكن بين الرؤية والنتيجة مساحة لا تستطيع القيادة السياسية أن تقطعها وحدها هناك جهاز تنفيذي كامل يفترض أن يحول الرؤية إلى قرار والقرار إلى برنامج والبرنامج إلى نتيجة والنتيجة إلى أثر يلمسه المواطن.
وهنا تبدأ مسؤولية الإدارة.
فالقيادة تستطيع أن تحدد البوصلة لكن المؤسسات هي التي تحرك السفينة والاستراتيجية مهما بلغت دقتها لا تستطيع وحدها أن تختصر دورة الإجراءات ولا أن تسرع الترخيص ولا أن تنشئ سوقا لشركة ناشئة ولا أن تمنع مستثمرا من الانتقال إلى بيئة أخرى عندما يجد أن الزمن الذي يحتاجه لإطلاق مشروعه أطول من الزمن الذي يستطيع فيه منافسوه بناء مشاريعهم.
في الاقتصاد الجديد الوقت ليس مجرد عنصر إداري إنه أصل اقتصادي.
الفرصة التي تتأخر قد لا تعود والفكرة التي تبقى سنوات في الأدراج قد تفقد قيمتها والكفاءة التي لا تجد مجالا لتعمل قد تجد بيئة أخرى تستثمرها والاستثمار الذي يصطدم بتعقيد غير ضروري لا ينتظر طويلا لأن رأس المال بطبيعته يبحث عن الوضوح والسرعة والقدرة على التنبؤ.
ولهذا فإن بطء الإدارة لا يبقى داخل حدود المؤسسة، بل يتحول في النهاية إلى تكلفة على الاقتصاد الوطني كله.
وتضع الأرقام هذه الحقيقة في سياقها فقد سجل الاقتصاد الأردني نموا حقيقيا بنسبة 2.8% خلال عام 2025، مقابل 2.6% في عام 2024، وفق بيانات البنك الدولي بينما ظل معدل البطالة بين الأردنيين مرتفعا عند 21.4% في الربع الثالث من عام 2025، وبلغ بين الأردنيات 33.9% وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة.
هذه الأرقام لا تنتقص من أهمية النمو ولا تنكر ما تحقق من استقرار اقتصادي ونقدي لكنها تقول شيئا بالغ الأهمية إن التحدي المقبل ليس فقط في تحقيق النمو وإنما في تحويله إلى فرص عمل منتجة واستثمارات جديدة وشركات تنمو ودخول أفضل ومشاركة اقتصادية أوسع.
وهنا تحديدا يجب أن ننتقل من الحديث عن الاقتصاد باعتباره مجموعة مؤشرات إلى النظر إليه باعتباره حياة الناس.
فوراء كل نسبة بطالة شاب ينتظر بداية حياته المهنية ووراء كل مشروع متعثر صاحب فكرة وضع فيها سنوات من عمره ووراء كل كفاءة تغادر البلد فرصة كان يمكن أن تتحول إلى شركة أو معرفة أو تدريب لجيل جديد.
لهذا لا يمكن أن يكون الاستثمار في الإنسان الأردني شعارا موسميا.
الشاب الذي يتعلم الذكاء الاصطناعي ليس مجرد باحث عن مهارة قد يكون مؤسس شركة تنافس إقليميا والمهندس الذي يطور حلا في المياه أو الطاقة لا يحمل شهادة فقط قد يحمل نواة صناعة والطبيب الذي يعود بخبرة دولية ليس موظفا إضافيا إنه قناة لنقل معرفة وتجربة إلى مؤسسة كاملة والباحث الذي يطور ابتكارا قابلا للتطبيق لا يحتاج إلى التصفيق بقدر ما يحتاج إلى منظومة تنقله من المختبر إلى السوق.
هنا تحديدا يجب أن تتغير طريقة تفكيرنا في التنمية.
نحن لا نحتاج فقط إلى المزيد من الوظائف نحتاج إلى اقتصاد يصنع منتجين للوظائف و لا نحتاج فقط إلى استقطاب الشركات، بل نحتاج إلى بناء شركات أردنية تستطيع أن تتوسع خارج حدودنا لا نحتاج فقط إلى تخريج أصحاب شهادات نحتاج إلى تخريج أصحاب معرفة يستطيعون تحويلها إلى منتجات وخدمات وشركات.
والأردن قادر على ذلك.
لدينا كفاءات أثبتت نفسها في أكبر الأسواق العالمية ولدينا خبرات في الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والخدمات والاتصالات ولدينا جيل شاب أكثر اتصالا بالعالم وأكثر استعدادا للتعلم والابتكار ولدينا موقع جغرافي وتجربة مؤسسية واستقرار نسبي يمكن البناء عليها.
لكن رأس المال البشري لا يتحول تلقائيا إلى قوة اقتصادية يحتاج إلى بيئة تعرف كيف تكتشفه وتؤهله وتموله وتفتح له السوق وتحمي حقه في التجربة وتكافئ الإنجاز.
وهنا يعود بنا الطريق إلى الإدارة.
المسؤول الذي يتعامل مع منصبه باعتباره مساحة آمنة للبقاء لا يستطيع أن يقود المستقبل
هذه ليست مسألة شخصية ولا دعوة إلى تصفية حسابات مع أحد إنها قاعدة في إدارة الدول المنصب العام ليس ملكية والوظيفة القيادية ليست حصانة والكرسي ليس إنجازا في حد ذاته قيمة المسؤولية تقاس بما تغير للأفضل خلال فترة توليها وبما تركته المؤسسة أقوى وأكثر كفاءة بعد مغادرة صاحب القرار.
وفي الأردن كما في أي دولة هناك مسؤولون وموظفون يعملون بإخلاص ويقدمون نماذج محترمة في الخدمة العامة وهؤلاء يجب أن يكونوا جزءا من الإصلاح لا ضحاياه لكن هناك أيضا حاجة إلى مواجهة ثقافة إدارية تجعل تجنب الخطأ أكثر أمانا من المبادرة وتأجيل القرار أقل كلفة على المسؤول من اتخاذه والمحافظة على الوضع القائم أسهل من تحمل مسؤولية التغيير.
هذه الثقافة هي التي يجب أن تتغير.
لأن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ من تغيير مسمى مؤسسة وإنما من تغيير العلاقة بين المسؤول والنتيجة يصبح المسؤول عندها مطالبا بأن يبرهن على أثر قراره لا أن يبرهن فقط على أنه اتبع الإجراء وتصبح الكفاءة معيارا للتقدم ويصبح الوقت جزءا من جودة الخدمة وتصبح المبادرة المدروسة قيمة مؤسسية لا مخاطرة شخصية.
فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد مؤسساتها وإنما بقدرتها على الإنجاز.
والمواطن لا يعيش داخل الهياكل التنظيمية، بل يعيش داخل نتائجها لا يعنيه عدد الاجتماعات التي عقدت بقدر ما يعنيه أن معاملته أُنجزت ولا يعنيه عدد الخطط التي أعلنت بقدر ما يعنيه أن فرصة العمل أصبحت موجودة ومتاحة ولا يعنيه حجم الحديث عن الاستثمار بقدر ما يعنيه أن المستثمر استطاع أن يبدأ وينمو ويخلق وظائف.
ومن هنا فإن الإصلاح الإداري والاقتصادي ليسا مسارين منفصلين إنهما وجهان لمشروع واحد.
وأريد لهذا المشروع أن يصل إلى كل محافظة لا أن يبقى محصورا في مركز الدولة في إربد والكرك والزرقاء والسلط والعقبة ومعان والطفيلة والمفرق وفي المدن والبلدات والقرى هناك طاقات بشرية وموارد محلية وخصوصيات اقتصادية يمكن أن تتحول إلى مراكز إنتاج وابتكار وسياحة، وصناعة وتكنولوجيا وخدمات.
التنمية الحقيقية لا تجعل عمان بوابة الفرصة الوحيدة أمام الأردني.
نريد أردنا يستطيع فيه الشاب أن يبني مشروعا في محافظته وأن يعمل في قطاع متقدم دون أن يضطر إلى الانتقال وأن تتحول خصوصية كل منطقة إلى ميزة اقتصادية بدلا من أن تبقى مجرد وصف جغرافي.
وأريد أن ننتقل من مفهوم جذب المستثمر فقط إلى مفهوم صناعة المستثمر الأردني ومن دعم المشروع في بدايته إلى بناء قدرته على النمو ومن الاحتفاء بالريادة إلى إنشاء منظومة تستطيع إنتاج شركات قابلة للتوسع والتصدير.
وفي المرحلة المقبلة ستكون القطاعات المعرفية أمام الأردن فرصة حقيقية الذكاء الاصطناعي الأمن السيبراني البرمجيات التكنولوجيا المالية الصحة التعليم الطاقة المياه السياحة المتخصصة الصناعات الإبداعية والخدمات المهنية وغيرها.
لسنا مطالبين بأن ننافس العالم في كل شيء.
علينا أن نعرف أين نستطيع أن نكون الأفضل ثم نضع التعليم والتمويل والبحث العلمي والتشريع والقطاع الخاص في خدمة هذه المجالات.
فالدول الصغيرة لا تحتاج إلى امتلاك كل الموارد حتى تكون مؤثرة. تحتاج إلى امتلاك ميزة واضحة وإدارة تعرف كيف تحولها إلى قيمة.
وهنا يمكن للأردن أن يصنع معادلته الخاصة إنسان متعلم معرفة قابلة للتطبيق مؤسسة سريعة قطاع خاص جريء وسوق مفتوح على العالم.
إذا اجتمعت هذه العناصر فإن محدودية الموارد الطبيعية لن تكون حكما على المستقبل.
لقد أثبت الأردن أنه يعرف كيف يصمد حافظ على استقراره ومؤسساته في منطقة دفعت أثمانا هائلة نتيجة الصراعات والتحولات وتمكن من عبور أزمات متتالية دون أن يفقد جوهره الوطني.
لكن الصمود ليس النهاية التي ينبغي أن نحتفل عندها ونكتفي.
الصمود كان ضرورة.
أما المرحلة المقبلة فيجب أن تكون مرحلة صناعة القوة.
نريد أن يتحول الاستقرار إلى استثمار والاستثمار إلى إنتاج والإنتاج إلى فرص والمعرفة إلى شركات والشركات إلى صادرات والطاقات الفردية إلى قوة اقتصادية وطنية.
نريد أن تصبح عبارة «صنع في الأردن» عنوانا للجودة والابتكار وأن يكون اسم الأردني في العالم مرتبطا بالكفاءة والثقة والقدرة على الإنجاز وأن لا يكون نجاح أبنائنا في الخارج دليلا على أنهم اضطروا إلى مغادرة وطنهم كي يجدوا فرصتهم، بل دليلا على أن الأردن استطاع أن يبني إنسانا قادرا على المنافسة أينما ذهب.
أريد للمرأة أن تجد المجال الذي يحول كفاءتها إلى قيمة اقتصادية وللشباب أن يجدوا الطريق من التعليم إلى الإنتاج.
هذه ليست خصومة مع أحد.
إنها محبة للوطن ترفض أن تكون المجاملة أقوى من المصلحة الوطنية.
فالقيادة التي دفعت باتجاه التحديث تستحق إدارة تترجم طموحها والشباب الذين حملوا اسم الأردن إلى العالم يستحقون وطنا يفتح لهم الطريق والمواطن الذي صبر طويلا يستحق أن يرى نتيجة الصبر في حياته.
وأنا لا أريد إصلاحا إداريا يغير الأوراق ويترك العقلية كما هي.
أريد إصلاحا يجعل المسؤولية مرتبطة بالنتيجة والكفاءة مرتبطة بالفرصة والوقت مرتبطا بالقيمة والمبادرة جزءا من ثقافة الدولة ويجعل ضياع الفرصة حدثا يستحق المراجعة مثلما تستحقه الأخطاء الأخرى.
أريد للأردن أن يدخل الثورة الصناعية الجديدة واقتصادا يصنع القيمة
وشركات أردنية تصل إلى الأسواق العالمية وجامعات تنتج المعرفة التي تحتاجها الصناعة ومراكز بحث تنتقل نتائجها إلى الاقتصاد ومحافظات تصنع لنفسها ميزات تنافسية وشبابا يعرفون أن الطموح في الأردن يمكن أن يكون مشروع حياة لا مجرد تذكرة سفر.
أريد بلدا لا يطلب من أبنائه أن يخفضوا سقف أحلامهم حتى يناسب إمكاناته وإنما يعمل على توسيع إمكاناته حتى تتسع لأحلام أبنائه.
هذا بالنسبة لي هو معنى الوطنية.
الوطنية ليست أن نقول إن كل شيء بخير حين لا يكون كذلك وليست أن نهدم ما تحقق لأننا نريد المزيد الوطنية أن نحمي ما أنجزناه وأن نعترف بما يحتاج إلى إصلاح وأن نرفع سقف طموحنا لأننا نؤمن أن هذا الوطن قادر على أكثر.
أريده أن ينافس لأنني أرفض أن يكون أقل من قدرته.
أرفض أن يرى أبناؤه العالم يتقدم ثم يكتفون بمراقبة المسافة.
أرفض أن تصبح الكفاءة الأردنية سلعة تصدرها البلاد بينما تستورد الأسواق الأخرى قيمتها.
وأرفض أن يكون شح الموارد ذريعة لتصغير الحلم الأردن أكبر من ذلك.
كبير بإنسانه بعقله بإرادته بقيادته وبقدرته على تحويل المحنة إلى خبرة والخبرة إلى معرفة والمعرفة إلى إنتاج.
أريد الأردن أن يكون عظيما في الإنسان شامخا في الإرادة حاضرا في العالم.
لأن الأردن لا ينقصه المستحيل ينقصه أن نطلق ما فيه.
وحين نطلق الإنسان الأردني ونمنحه الإدارة التي تستحقها طاقته والفرصة التي تليق بعلمه والسوق الذي يستطيع أن يصل إليه فلن يكون هناك قطاع أكبر من قدرته ولا سوق أبعد من طموحه ولا منافس أقوى من عزيمته.
ذلك هو الأردن الذي أريده.
وذلك هو الأردن الذي أحب ترابه وأؤمن بإنسانه وأحلم بأن أراه في المكان الذي يليق به.
هذا ليس مقالا عن الأردن الذي نملكه، بل عن الأردن الذي يمكن أن نصنعه

























