بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يدار في اروقة السياسين ان الحكومة العراقية بصدد حذف الاصفار الثلاثة للعملة واستبدالها بطبعة جديدة وقد جاء هذا الحديث على لسان وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند عن هذا القرار الحكومي بهدف إبطال مفعول الأموال المنهوبة المقدرة بـ 8 تريليونات دينار عراقي وجعلها بلا قيمة، وسط ترقب لموقف رسمي تفصيلي من الجهات المعنية.في عالم المال والسياسة، كثيراً ما يلتجئ صُنّاع القرار إلى حلول تبدو في ظاهرها سحرية وفي باطنها امتحان عسير؛ ومن ذلك ما يدور اليوم في أروقة النقاش العراقي حول “حذف الأصفار” من العملة الوطنية وتصفيرها ، إنها خطوة لا تُقاس بمجرد عمليات حسابية تُجرى على الورق، بل هي قرار يمسّ عصب الثقة، ووجدان المجتمع، ومستقبل المعيشة اليومية للمواطن البسيط.
الأصفار ليست مجرد أرقام
حين تقرر الحكومة حذف ثلاثة أصفار من العملة، هي لا تغير القيمة الشرائية للدينار بضربة قلم، بل تغير ملامح التداول النقدي كون الأصفار في فلسفة الاقتصاد كونها مرآة لحقبات التضخم وأزمات الماضي التي مر بها الوطن وحين تُحذف، يكون الهدف محاولة لتبسيط المعاملات وتخفيف العبء الحسابي، ومطاردة كتل نقدية مكتنزة خارج النظام المصرفي لدمجها أو إبطال مفعول الفاسد منها.
لكن الحكمة تقتضي أن ندرك أن قيمة العملة لا تنبع من عدد الأصفار المطبوعة عليها، بل من قوة الإنتاج، والغطاء الاقتصادي، والاستقرار السياسي، وسلطة القانون.
مغامرة الثقة في مهبّ التغيير
إن أكبر ما يواجه هذا التوجه من مخاطر ليس الجانب اللوجستي لطباعة فئات جديدة، بل هو “سيكولوجية السوق“. إن الاقتصاد يقوم في جوهره على الثقة، وحين يدبّ الغموض أو تنقص الشفافية في آليات الانتقال، يتحرك الخوف في نفوس الناس.
- خوف يدفع نحو الملاذات الآمنة: قد يهرع المواطن العادي، قبل المضارب، لاستبدال مدخراته بالدولار أو الذهب، ما يخلق ضغطاً عكسياً يرفع الأسعار ويهدد الاستقرار النقدي.
- فخ جبر الكسور : في غياب الرقابة الصارمة، يميل التجار بالفطرة إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى عند التحول للعملة الجديدة، ما يعني تضخماً صامتاً يلتهم القوة الشرائية للرواتب والأجور البسيطة.
- الأموال المنهوبة لا تنام في صناديق الدينار: إن ملاحقة الأموال الفاسدة عبر تغيير العملة هي فكرة نبيلة، لكن الحكمة الاقتصادية تخبرنا أن الفساد المنظم ذكي؛ فهو لا يحتفظ بملياراته على شكل رزم نقدية محليّة قابلة للتلف أو الإلغاء، بل يحولها سريعاً إلى أصول عقارية، أو سبائك ذهبية، أو عملات أجنبية تُهرّب عبر الحدود.
- وهم حل أزمة السيولة: حذف الأصفار هو مجرد تعديل حسابي شكلي؛ لا يضخ أموالاً جديدة في الموازنة، ولا يرفع القيمة الحقيقية للدينار، ولا يحل العجز المالي الناتج عن تراجع الإيرادات النفطية.
الرؤية الحكيمة للمستقبل
إن إصلاح النقد لا يمكن أن ينجح كإجراء معزول ولكي لا تتحول هذه العملية إلى عبء مالي باهظ يكلف خزينة الدولة الملايين لطباعة وتحديث الأنظمة دون جدوى حقيقية، يجب أن تستند إلى ركائز ثلاث:
- الشفافية المطلقة: بناء جسور الثقة مع المواطن من خلال خطاب رسمي موحد وواضح من البنك المركزي، يحدد الجداول الزمنية ويضمن حقوق الجميع دون إرباك.
- البيئة الرقمية الحاضنة: تهيئة المصارف وأدوات الدفع الإلكتروني لاستيعاب التغيير بسلاسة، بحيث يكون الحذف دافعاً للتحول الرقمي الشامل وليس لزيادة التداول النقدي الورقي.
- الإصلاح الهيكلي: الإدراك بأن العملة القوية هي انعكاس لاقتصاد متنوع لا يعتمد على النفط وحده، ولنظام قضائي ورقابي صارم يغلق منافذ التهريب وغسيل الأموال من جذورها.
إن حذف الأصفار قد يمنح العملة مظهراً رصيناً ويختصر الأرقام في السجلات، لكن الحكمة تؤكد أن صناعة الاستقرار لا تأتي بتغيير الأوراق، بل بتغيير السياسات لذلك يحتاج العراق اليوم إلى جراحة اقتصادية حذرة، تمزج بين حزم القانون وطمأنة الشارع، ليكون الدينار الجديد معبراً عن مرحلة من التعافي الحقيقي، لا مجرد غطاء جديد لأزمات قديمة.
النتائج والتوقعات
في حال أقدمت الحكومة العراقية رسمياً على تنفيذ إجراء حذف الأصفار وطباعة العملة الجديدة، فإن النتائج والتوقعات تنقسم بين آثار إدارية إيجابية ومخاطر حقيقية على الأسواق وقوت المواطن، بناءً على تجارب دولية مشابهة وآراء الخبراء الاقتصاديين على النحو التالي:
النتائج الإيجابية المتوقعة
- تبسيط المعاملات والمحاسبة: التخلص من الأرقام الفلكية (التريليونات) في الموازنة العامة الحالية والمطالبات المالية لتبسيط القيود.
- تقليل حجم الكتلة النقدية المتداولة: تنخفض كمية الأوراق الفيزيائية المطلوبة للتعاملات اليومية الشخّصية والتجارية (مثلاً: رزمة الـ 25,000 دينار الحالية تصبح ورقة واحدة من فئة 25 ديناراً جديدة)
- إنعاش النظام المصرفي والتحول الرقمي: إجبار الكتلة النقدية المكتنزة في المنازل على الدخول للمصارف من أجل الاستبدال، وتفعيل بطاقات الدفع الإلكتروني كشرط للحصول على القيمة المستبدلة.
- تصفير الأموال المنهوبة المفقودة: إبطال مفعول أي أموال خارج تتبع الدولة لم يستطع حائزوها إثبات مصدرها الشرعي خلال مهلة التبديل.
النتائج السلبية والمخاطر المتوقعة
- تضخم الأسعار (فخ التقريب): ميل التجار إلى رفع أسعار السلع الصغير والخدمات بدلاً من خفضها بالتوازي (السلعة التي سعرها 750 ديناراً قد تتحول تلقائياً إلى 1 دينار جديد بدلاً من 0.75، ما يولد تضخماً سلوكياً يدفع ثمنه المواطن البسيط).
- ارتفاع أسعار الدولار والذهب بالموازاة: شعور المواطنين بالقلق المالي نتيجة لتغيير شكل الثروة الحسابي يدفعهم للمضاربة والشراء العشوائي للدولار والذهب لتأمين مدخراتهم، مما يربك استقرار الصرف.
- تكاليف لوجستية مليارية: إنفاق مبالغ طائلة لطباعة فئات العملة الجديدة عالمياً، إلى جانب التكلفة الزمنية والتكنولوجية لتحديث برمجيات الصرافات الآلية والمصارف والمنظومات المحاسبية للشركات والدولة.
- شلل مؤقت وارتباك في الأسواق: حدوث فوضى وتشكيك في بداية فترة الجمع بين التداول بالعملتين (القديمة والجديدة) لعدم استيعاب الفئات البسيطة لتغير الأرقام مع ثبات القيمة.


























