بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
على بعد ستين كيلومتراً فقط جنوب بغداد، تقف “جرف الصخر” كلوحة سريالية غادرها الزمن، وتبدّلت ملامحها حتى أضحت اسماً بلا جسد، ومدينة بلا سكان. عقد من الزمان مرّ، والبيوت التي هجرها أصحابها على عجل ما زالت تنظر إلى الأفق، بانتظار خطى عائدين لم تأتِ بعد. بين ليلة وضحاها، تحولت المدينة من سلة بغداد الغذائية وبساتين النخيل الوارفة، إلى جرح عراقي مفتوح وعلامة استفهام كبرى تلخص مأساة النزوح القسري. لتظل الجرف حكاية أرضٍ أسيرة، وأرواح معلقة على عتبات العودة المؤجلة، وصندوقاً أسود يرفض الإفصاح عما بداخله.
جغرافيا معقدة ونفوذ مطلق
تخضع منطقة جرف الصخر اليوم لسيطرة عسكرية مطلقة وفرض أمر واقع من قبل فصائل مسلحة منضوية تحت لواء الحشد الشعبي وتوصف بأنها موالية لطهران، وعلى رأسها “كتائب حزب الله العراقي”. منذ طرد تنظيم داعش من المنطقة في تشرين الأول/أكتوبر 2014، تحولت هذه الناحية التي أُطلق عليها في أدبيات الفصائل اسم “جرف النصر” إلى مربع أمني مغلق بالكامل. ولم يسجل التاريخ الرسمي دخول أي رئيس وزراء، أو وزير، أو قوة من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية إلى عمق هذه المنطقة، ما يكرس واقعاً غريباً تذوب فيه سلطة الدولة الرسمية عند أسوار المدينة.
لماذا أصبحت المنطقة عصية على سلطة الدولة؟
تتداخل عدة عوامل جعلت من جرف الصخر ملفاً شائكاً يستعصي على الحل الحكومي:
-
- الأهمية الاستراتيجية الفائقة: تبلغ مساحة الجرف نحو 650 كيلومتراً مربعاً، وتشكل نقطة الالتقاء الجغرافية الأخطر بين العاصمة بغداد، والمحافظات الغربية (الأنبار)، ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب (بابل وكربلاء).
- الطبيعة الجغرافية المحصنة: تتميز المنطقة بكثافة بساتين النخيل، والممرات المائية الوعرة، والأراضي الزراعية الشاسعة المتصلة بالصحراء، مما يجعلها حصناً طبيعياً ممتازاً لإخفاء المنشآت العسكرية بعيداً عن الرصد التقليدي.
- ذريعة حماية العتبات: استندت الجهات المسيطرة إلى حجة أمنية مفادها أن الجرف كانت تاريخياً (منذ 2003) منطلقاً للسيارات المفخخة والانتحاريين باتجاه كربلاء وبابل؛ لذا فإن إبقاءها منطقة عسكرية خالية من السكان هو الضمانة الوحيدة لمنع الخروقات الأمنية أثناء الزيارات الدينية المليونية.
ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT
المصلحة الإقليمية: ماذا تريد إيران من الجرف؟
لا تقتصر أهمية جرف الصخر على البُعد المحلي العراقي، بل تمثل ركيزة حيوية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية:
-
- تأمين خط الإمداد الاستراتيجي: تقع الجرف على طريق الإمداد اللوجستي الممتد من الحدود الإيرانية، عبر وسط العراق، وصولاً إلى الأنبار ثم الحدود السورية واللبنانية، مما يمنح الفصائل حرية تحريك السلاح والمقاتلين.
- قاعدة عسكرية للتصنيع والتخزين: تشير التقارير الأمنية إلى تحويل بساتين الجرف إلى مخازن تحت الأرض ومصانع لتطوير وتجميع الطائرات المسيرة (الدرونز) والصواريخ الباليستية بإشراف من الحرس الثوري الإيراني.
- معسكر تدريب عابر للحدود: تُستخدم المنطقة كمركز تدريب مغلق وسري لعناصر الفصائل العراقية، بالإضافة إلى مقاتلين من حركات موالية لطهران في المنطقة كالحوثيين وغيرهم، نظراً لاستحالة اختراقها أو مراقبتها.
- إنهاء حزام بغداد الجنوبي: يساهم إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين (نحو 140 ألف نسمة من قبيلة الجنابيين والعشائر الأخرى) في كسر الحزام الديموغرافي حول العاصمة، وتحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع استثمارية تابعة للفصائل لتمويل أنشطتها ذاتياً.
النتائج والتوقعات المستقبلية
بين مطالبات القوى السياسية والعشائرية بإنهاء ملف التهجير القسري، والمساعي الحكومية الخجولة لفرض سيادة الدولة، يواجه ملف جرف الصخر سيناريوهات معقدة:
-
- استمرار الوضع الراهن (السيناريو المرجح): بقاء المنطقة تحت السيطرة الكاملة للفصائل، نتيجة خشية الحكومات المتعاقبة من الدخول في صدام مسلح مباشر قد يهدد الاستقرار الهش في بغداد، ورغبة طهران في الحفاظ على هذا المربع الحيوي.
- التسوية الجزئية المشروطة: قد تسمح الفصائل مستقبلاً بعودة شكلية وانتقائية لأعداد محدودة جداً من العائلات بعد تدقيق أمني صارم لامتصاص الغضب العشائري، مع الإبقاء على المنشآت الحالية مغلقة كلياً ومحرمة على الدولة.
- الانفجار أو الاستهداف الخارجي: ستبقى المنطقة عرضة للضربات الجوية الأمريكية الدورية رداً على تحركات الفصائل، فيما يظل خيار المواجهة الرسمية العسكرية لفرض القانون مستبعداً لما يحمله من مخاطر حرب داخلية.
في المحصلة، لا تبدو جرف الصخر مجرد بلدة عراقية تبحث عن هويتها الضائعة، بل هي مرآة تعكس صراع السيادة في العراق بأسره ، إن بقاء هذه البقعة خارج سلطة القانون يمثل اختباراً مستمراً لمدى قدرة الدولة على احتكار السلاح وفرض هيبتها. وطالما بقيت الجسور مقطوعة بين بغداد وبساتين الجرف، ستظل المدينة صندوقاً أسود يحمل لغز السيادة المفقودة، بانتظار تسوية كبرى، إما أن تعيدها إلى حضن الوطن، أو تبقيها رهينة التوازنات الإقليمية إلى إشعار آخر.

























