بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
يعد العراق من أكثر الدول العربية تأثرًا بسياسات تجهيل الشعوب، حيث يتم استغلال الدين والطائفة والعرق كوسائل لتوجيه الجماهير بعيدًا عن المطالب الأساسية للحياة الكريمة. أدى ذلك إلى نشوء ثقافة “القطيع” التي تتبع قادة رأي يفتقرون إلى الكفاءة، معتمدين فقط على نسبهم أو انتماءاتهم الدينية او العرقية.
وعلى مدار العقود الماضية، اعتمدت بعض القوى السياسية والدينية في العراق على استراتيجيات ممنهجة لتجهيل الشعب. تم ذلك من خلال التلاعب بالخطاب الديني والطائفي، وتهميش التعليم النقدي والتفكير المستقل. كما تم استغلال الانقسامات العرقية والطائفية لصرف أنظار الجماهير عن القضايا الحياتية الملحّة، مثل توفير الخدمات الأساسية وتحسين مستوى المعيشة.
نتيجة لهذه السياسات، شهد العراق انقسامات حادة وحروبًا أهلية دامية. فعلى سبيل المثال، أدى التوتر الطائفي في العراق بعد عام 2003 إلى نزاعات دموية، حيث استُغلت الانتماءات الدينية والعرقية لتأجيج الصراعات، مما أسفر عن مئات الآلاف من الضحايا وتدمير البنية التحتية. كما أدى الفساد الإداري والسياسي إلى انهيار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والتعليم، مما عمّق من أزمة الثقة بين المواطن والدولة.
وتشير الإحصاءات إلى أن العراق يضم مكونات دينية ومذهبية وعرقية متعددة، منها العرب والأكراد والتركمان، بالإضافة إلى المسلمين الشيعة والسنة، والمسيحيين من طوائف مختلفة. هذا التنوع، بدلاً من أن يكون مصدر قوة وثراء ثقافي، استُغل كذريعة لتبرير الصراعات والحروب الداخلية.
وإذا كان العراق يمثل الجانب الأسوأ الذي فشل في احتواء التعدد العرقي والديني يليه لبنان واليمن والسودان التي لا تقل سوءاً عن العراق ً، فهناك دول نجحت في بناء مجتمعات متماسكة تحقق التنمية والازدهار، رغم تعدد الأعراق والطوائف. ومن هذه الدول على سبيل المثال:
- سنغافورة: رغم تعدد أعراقها ودياناتها، تمكنت الحكومة من بناء مجتمع متماسك من خلال سياسات صارمة ترفض التمييز وتعزز المواطنة المتساوية.
- سويسرا: تضم أربع لغات رسمية وطوائف دينية متعددة، لكنها استطاعت تحقيق استقرار سياسي واقتصادي من خلال الحكم الفيدرالي وسياسات تشجع على الحوار والانفتاح.
- كندا: تُعد من أكثر الدول تنوعًا عرقيًا ودينيًا، لكنها نجحت في تحويل التنوع إلى قوة اقتصادية واجتماعية بفضل سياسات الدمج والعدالة الاجتماعية.
ختاماً فإن استمرار السياسات القائمة على تجهيل الشعب العراقي واستغلال الانقسامات الدينية والعرقية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور والدمار. لذا، يتوجب على العراقيين نبذ ثقافة “القطيع” والتبعية العمياء، والاعتراف بأن لا أحد يمتلك تفويضًا إلهيًا لقيادتهم. الشخص الأجدر بالقيادة هو من يقدم الخدمات الأفضل ويسعى لتحقيق مصلحة الجميع دون تمييز. آن الأوان للتحرر من قيود الجهل والتبعية، ونبذ الانتماءات الطائفية والعرقية، والعمل معًا لبناء مستقبل قائم على الوعي والمعرفة والاحترام المتبادل والمواطنة الصالحة.
























