بقلم د. راهب صالح الخليفاوي
حقوقي وباحث في الشأن الإيراني
في الوقت الذي يرزح فيه الشعب العراقي تحت وطأة الفقر والبطالة وانعدام الخدمات يتواصل النزيف المنظم لثرواته النفطية عبر منظومات تهريب معقدة تتداخل فيها الميليشيات المرتبطة بإيران مع شبكات نقل بحرية مظللة وواجهات تجارية وهمية. الوثيقة الرسمية الصادرة بتاريخ 27 تموز 2025 عن شركة تسويق النفط العراقية سومو والموجهة إلى جهاز الأمن الوطني تضع أمامنا أدلة قاطعة على حجم الانهيار السيادي وتورط أطراف داخلية وخارجية في تفريغ العراق من خيراته لصالح إيران.
تقنيات التحايل والتمويه البحري
تتحدث الوثيقة عن تعقب حركات غير قانونية لناقلات نفط مجهولة الهوية تقوم بإخفاء مواقعها باستخدام تقنية AIS Spoofing وهي وسيلة احتيال إلكتروني تُستخدم لإخفاء المسارات الحقيقية للسفن وتضليل أنظمة المراقبة الدولية ما يسمح بإجراء عمليات نقل غير مشروعة للنفط في عرض البحر خارج الرقابة الجمركية والرادارية.
وتصنّف هذه الناقلات ضمن عالية الخطورة High Risk بحسب قواعد بيانات دولية مثل Platts وKpler وتقوم بعمليات نقل مظلم من سفينة إلى سفينة Dark Ship-to-Ship Transfers وهو ما يشير إلى شبكة تهريب مهنية عابرة للحدود تستفيد منها إيران لتجاوز العقوبات الدولية.
ميليشيات عراقية وشبكات مالية موازية
من الواضح أن هذه العمليات لا تتم من فراغ بل بإدارة مباشرة من ميليشيات عراقية موالية لإيران تتحكم بالموانئ والمنافذ والمصافي وتستخدم غطاء حكومياً أو سياسياً لشرعنة عمليات البيع والتهريب. هذه الميليشيات لا تكتفي بالاستيلاء على النفط الخام بل تقوم ببيعه عبر واجهات تصدير وهمية وتحويل الأموال الناتجة إلى حسابات وشركات تتبع الحرس الثوري الإيراني أو مؤسسات تابعة له تحت ستار الأنشطة التجارية.
فشل استخبارات الخزانة الأميركية
ورغم تعقيد الشبكات فإن ما يثير القلق الأكبر هو فشل استخبارات وزارة الخزانة الأمريكية المعنية بمراقبة حركة الأموال وغسلها دوليًا في تتبع هذه العمليات أو كبحها. فالمعروف أن لدى الولايات المتحدة أدوات استخبارية ومالية متقدمة بدءًا من نظام OFAC لرصد العقوبات وصولًا إلى التعاون مع الأنظمة البنكية الدولية
إلا أن الواقع الميداني يكشف عن قصور واضح أو تهاون متعمد في تتبع الأصول المالية للمليشيات ومراقبة حركة الأموال التي تُهرّب يوميًا من العراق إلى إيران سواء عبر السوق السوداء أو من خلال المصارف العراقية المرتبطة بواجهات إيرانية.
هذه الثغرة سمحت لإيران بتجاوز الكثير من قيود العقوبات المفروضة عليها من خلال الاعتماد على العراق كجبهة خلفية للتمويل لا سيما في ظل هيمنة اقتصادية وأمنية إيرانية متصاعدة داخل الأراضي العراقية.
من المستفيد
المعادلة واضحة إيران هي المستفيد الأكبر من كل برميل يُهرّب من العراق سواء كان النفط إيرانياً يمر عبر العراق لإخفاء منشأه وتجاوز العقوبات أو نفطاً عراقياً يُسرق مباشرة عبر الميليشيات وتُعاد عوائده إلى طهران فإن النتيجة واحدة العراق يُنهب والشعب يُفقر وإيران تزداد ثراءً.
دعوة للتحقيق الدولي
هذه الوثيقة تمثل بلاغاً وطنياً عاجلاً وعلى المجتمع الدولي بما في ذلك مجلس الأمن وفريق العقوبات بالأمم المتحدة فتح تحقيق فوري وشفاف حول شبكات تهريب النفط والأموال في العراق والجهات المستفيدة منها وكذلك محاسبة من يتستر على هذه الأنشطة أو يعطل متابعتها.
كما يتعين على وزارة الخزانة الأمريكية مراجعة استراتيجيتها الاستخبارية المالية في العراق وتكثيف أدوات المراقبة والمتابعة لأن السكوت عن هذا الفساد العابر للحدود لا يعني إلا التواطؤ سواء بالعجز أو بالإهمال.





























