بقلم:أ.د هاشم الحمامي
في فجرٍ دمويٍ من صيف 2025، انفجر صراع ظل يتخمّر لعقود في الظلال، ليشتعل فجأةً على مرأى العالم. الضربة الجوية الإسرائيلية الواسعة ضد منشآت نووية وعسكرية في إيران – تحت عنوان “عملية الأسد الصاعد” – لم تكن مجرد رد عسكري، بل إعلان عن مرحلة جديدة تعيد صياغة توازنات الشرق الأوسط. جاء الرد الإيراني سريعاً عبر “عملية الوعد الصادق 3″، ليؤكد دخول المنطقة طور الصدام المباشر.
من التوتر المزمن إلى الصدام المكشوف
أنهت هذه المواجهة عقوداً من “الحروب غير المعلنة” بين طهران وتل أبيب، والتي ظلت تُخاض عبر وكلاء أو عمليات استخباراتية محدودة. ومع تصاعد وتيرة البرنامج النووي الإيراني ووصول تخصيب اليورانيوم إلى مستويات مقلقة تجاوزت 60%، اعتبرت إسرائيل أن ساعة الحسم قد حانت.
عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بمواقف متساهلة تجاه تل أبيب، واحتدام التوتر في غزة وسوريا ولبنان واليمن، شكّلت كلها بيئة مثالية للضربة. إسرائيل رأت فرصة استراتيجية نادرة لتوجيه ضربة استباقية تعرقل المشروع النووي الإيراني، وتعيد ضبط قواعد الاشتباك الإقليمي.
دمار متبادل وخسائر استراتيجية
استهدفت الغارات الإسرائيلية مواقع حساسة شملت منشأتي نطنز وأصفهان النوويتين، إضافة إلى مصافي نفط وقواعد للحرس الثوري، ما أسفر عن مقتل قيادات بارزة، بينهم حسين سلامي ومحمد باقري. في المقابل، أمطرت إيران العمق الإسرائيلي بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، أصابت بعضها تل أبيب وحيفا رغم التصدي الدفاعي.
وقد كشفت المعركة عن كلفة مرعبة للأنظمة الدفاعية، بلغت ملايين الدولارات لاعتراض صاروخ واحد، كما طرحت أسئلة عن جدوى الردع المتبادل في حرب مفتوحة.
انقسام دولي… واصطفاف إقليمي
تباينت المواقف الدولية. الولايات المتحدة دعمت إسرائيل دفاعياً دون تورط هجومي مباشر. أوروبا اكتفت بدعوات التهدئة، فيما أدانت موسكو وبكين الضربة واعتبرتاها استفزازاً خطيراً.
أما عربياً، فقد أدانت عدة عواصم عربية الهجوم الإسرائيلي، معتبرةً إياه خرقاً للقانون الدولي. ورغم التنديد، هناك خشية واضحة من توسع رقعة الحرب لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، في ظل تحذيرات من انخراط واشنطن أو قوى غربية مثل بريطانيا وفرنسا في القتال، تحت ذريعة مواجهة “الخطر النووي الإيراني”.
أهداف الحرب… وسيناريوهات المستقبل
من الواضح أن الحرب لن تتوقف قبل تحقيق أحد هدفين: تدمير البنية النووية الإيرانية بالكامل، أو إخضاع طهران لشروط دولية صارمة تُفكّك مشروعها النووي. ومع عجز إسرائيل عن إنجاز المهمة وحدها، يتصاعد الحديث عن احتمال تدخل أمريكي مباشر، تدعمه بريطانيا وفرنسا، لضمان النتيجة النهائية.
في المقابل، يواجه النظام الإيراني اختباراً وجودياً. فالحرب تستنزف موارده وتضرب بنيته التحتية، وقد تنتهي بثورة شعبية ضد نظامٍ يتّهمه الشارع بالمقامرة بمصير البلاد من أجل وهمٍ أيديولوجي.
تداعيات إقليمية… على صفيح ساخن
الارتدادات لم تتأخر. فأسعار النفط قفزت، والملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر باتت مهددة. نزوح جماعي، انقطاع في الكهرباء والمياه، وتقارير عن كارثة إنسانية مرتقبة في غزة وإيران وإسرائيل.
خاتمة: في انتظار نهاية معركة الإرادات
إن ما يجري ليس مجرد جولة في حرب إقليمية؛ بل إعادة رسم لخرائط النفوذ والتحالفات. المعركة خرجت من نطاق الردع إلى كسر الإرادة، والنظام الإيراني يبدو اليوم في سباق محموم بين الانهيار الداخلي والتدخلات الخارجية.
فهل تنهي هذه الحرب المشروع النووي الإيراني؟
أم تُشعل فصلاً جديداً من فوضى مفتوحة تُرسم بالدم أكثر مما تُكتب بالحبر؟





























