بقلم: ا.د هاشم الحمامي
في غزة، لا تشرق الشمس كما في باقي المدن، بل تطلع متثاقلة فوق سماء مثقوبة بالقذائف، تنثر الضوء على بيوت بلا جدران، وشوارع بلا أطفال. هنا، حيث تختلط رائحة الحبر برائحة الدم، تُدفن القصائد مع أصحابها، وتُكسر الأقلام قبل أن تجف سطورها. في هذا المكان، صار الرحيل قدراً للكلمة كما للجسد، وصار الموت يلاحق حتى من يحاول أن يحكي الحكاية.
تحت الركام، هناك دفتر مبلل بالدموع، وكاميرا محطمة كانت في يد صحفي يركض خلف الحقيقة، وريشة فنان ما زالت ملونة بلون الحرية. هؤلاء لم يحملوا بندقية، بل حملوا الحلم، فكان عقابهم الإعدام بلا محاكمة. وهكذا، تتحول الحرب في فلسطين إلى معركة صريحة لإبادة الذاكرة، ومسح الحكاية، وقتل الشهود قبل أن يكتمل النص.
غزة… أخطر مكان على الصحافة في العالم
منذ 7 أكتوبر 2023، تحولت غزة إلى مقبرة جماعية للكلمة الحرة. قُتل أكثر من 190 صحفياً وإعلامياً في ضربات جوية أو قنص مباشر، غالبيتهم فلسطينيون، بعد أن مُنعت معظم وسائل الإعلام العالمية من دخول القطاع.
استُهدف أنس الشريف وفريق قناة الجزيرة قرب مستشفى الشفاء، وقُتلت شيرين أبو عاقلة برصاص قناص وهي ترتدي خوذة وسترة الصحافة. وفي كل مرة، تُسبق الجريمة أو تليها حملة تشويه واسعة تصف الضحايا بـ”الإرهابيين”، في محاولة لتبرير القتل أمام الرأي العام.
إبادة الذاكرة… من غسان كنفاني إلى رفعت العرعير
لم ينجُ الشعراء ولا الأدباء ولا رسامو الكاريكاتير. من اغتيال غسان كنفاني وكمال ناصر في السبعينيات، إلى قتل رفعت العرعير وهبة أبو ندى في العدوان الأخير، استهدفت إسرائيل كل من حمل الذاكرة الفلسطينية على كفّ الكلمة.
كما اغتيل ناجي العلي، صاحب “حنظلة” الذي صار أيقونة عالمية للحرية، وتواصلت السلسلة مع فنانين مثل محمد سامي قريقع وهبة زقوت، ممن حوّلوا الألوان إلى صرخة في وجه الظلم.
الإبادة الأكاديمية… قتل العقول
منذ أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 150 أكاديمياً وباحثاً فلسطينياً. الجامعات دُمّرت، وقاعات المحاضرات صارت ركاماً. إنها ليست خسائر عرضية، بل محاولة متعمدة لقطع الجسر المعرفي بين الأجيال وتجريد المجتمع من عقوله.
جريمة مزدوجة… والجاني محمي
التقارير الدولية تؤكد أن ما يجري هو سياسة ثابتة:
تشويه الضحايا قبل أو بعد قتلهم.
استهداف دقيق للمنازل ومقار العمل.
تدمير البنية التحتية الثقافية بالتزامن مع الاغتيالات.
إفلات كامل من العقاب بفضل الحماية الأمريكية.
فهنا، لا تكتفي واشنطن بالصمت، بل تستخدم الفيتو لإسقاط أي قرار يدين إسرائيل، وتبرر قتل الصحفيين والأدباء والفنانين وكأنها شريكة في الجريمة. والتستر على القاتل هو اشتراك في الجريمة نفسها، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة اليوم وهي تمنح الغطاء السياسي لمجرمي الحرب في تل أبيب.
الكلمة لا تُقتل
إن قتل الصحفيين والمثقفين والفنانين هو قتل للحقيقة نفسها، لكن التاريخ علّمنا أن الشعوب الحية لا تموت وقضاياها العادلة لا تُدفن. سيأتي يوم، مهما طال، يسقط فيه الجلادون وتُحاكم فيه الأيادي الملطخة بالدماء.
أما الخزي والعار فسيبقى وصمة أبدية على جبين دولة الاحتلال وداعميها وممولي جرائمها. وسيظل “حنظلة” يرفع ظهره في وجوههم، شاهداً على أن الحبر قد يهزم البارود.





























