بقلم: ا.د هاشم الحمامي
في قلب الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح وتتصادم المشاريع، لم تولد إسرائيل كأي كيان سياسي اعتيادي، بل خرجت من رحم صفقة دولية كبرى، محمولة على أكتاف التحالفات الغربية، ومغلفة بخطاب ديني وإنساني زائف.
منذ وعد بلفور، كانت البذرة تُزرع على أرضٍ ليست لها، لا حبّاً في “شعب بلا أرض”، بل طمعاً في بسط نفوذ دائم وسط بحر عربيّ يغلي. لم تكن المسألة مجرد تعويض لليهود عن قرون من المعاناة في أوروبا، بل كانت مشروعاً استراتيجياً لزرع كيان وظيفي، قادر على فرض السيطرة، وخلق اختلال دائم في توازنات الإقليم.
فبريطانيا، القوة العظمى آنذاك، لم تكن تسعى فقط إلى استرضاء اليهود، بل إلى إنشاء حاجز جيوسياسي يفصل المشرق العربي عن مغربه، ويُبقي طرق التجارة ومصادر الطاقة تحت أعين الغرب، ويمنع نشوء أي قوة إقليمية تهدد هيمنتها. وكان “الوطن القومي اليهودي” هو الأداة المثلى لتحقيق هذا الهدف.
ومع انتقال قيادة النظام العالمي إلى الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، لم تتغير وظيفة إسرائيل، بل تعززت وتعمّقت. أصبحت واشنطن هي الراعي الأكبر، والراسم الأوضح لمعالم دور إسرائيل الجديد: رأس حربة ضاربة، تتقدم حيث لا تجرؤ واشنطن على التدخل المباشر، وتنفذ ما يصعب على الأنظمة الديمقراطية الغربية تحمّله أمام شعوبها وبرلماناتها.
وقد عبّر الرئيس الأمريكي جو بايدن عن هذه العقيدة الاستراتيجية بوضوح حين قال: “لو لم تكن هناك إسرائيل، لكان علينا أن نخترع واحدة”. هذه الجملة ليست مجرد مداعبة دبلوماسية، بل تلخيص دقيق لفلسفة الغرب تجاه إسرائيل: إنها ليست مجرد دولة، بل ضرورة وظيفية، لا غنى عنها لضمان استمرار الهيمنة الغربية في المنطقة.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من تصاعد للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حلفاء إيران، وصولاً إلى استهداف الأراضي الإيرانية ذاتها، أصبح هذا الدور أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالضربات لم تكن مجرد ردود فعل عسكرية، بل جزء من حملة استراتيجية كبرى تهدف إلى تقويض “محور المقاومة”، وتدمير أي تهديد محتمل للنفوذ الغربي.
والمفارقة أن هذا النهج يمنح الولايات المتحدة أفضلية مزدوجة: فهي تدير الحرب عبر حليفها دون أن تخوضها بنفسها، وتتملص من مسؤولياتها أمام الرأي العام الأمريكي والدولي. فكلما اشتعلت النيران في غزة، أو في بيروت، أو في دمشق، كانت أصابع الاتهام تتجه نحو إسرائيل، بينما تبقى واشنطن في الظل، تمدّ الحطب وتتنصل من الدخان.
وبينما تُحاط إسرائيل بدروع الدعم العسكري والسياسي الغربي، تُمنح حرية الحركة والتجاوز دون محاسبة. فحتى عندما تُتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو خرق القانون الدولي، تظل بمنأى عن العقاب، لأن حلفاءها يتولون الدفاع عنها في مجلس الأمن، ويعرقلون أي محاولة لردعها أو مساءلتها.
هكذا تتشابك المصالح حتى تذوب الحدود: أمن إسرائيل بات جزءًا من الأمن القومي للغرب، ومشاريعها التوسعية تجد غطاءً سياسياً واقتصادياً من العواصم الغربية، التي ترى فيها الضامن الأوثق لمصالحها في قلب المنطقة.
إن تطلعات الغرب اليوم لا تتوقف عند حماية إسرائيل، بل تتجاوزها إلى تمكينها من فرض هيمنتها المطلقة على الإقليم، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ولأجل ذلك، يُدفع باتجاه تطبيع شامل، وتفكيك بؤر المقاومة، وتفريغ المنطقة من أي بدائل قد تعيق المشروع الإسرائيلي طويل الأمد.
✦ الخاتمة:
لقد علمنا التاريخ أن الدول لا تصنع الحلفاء عبثاً، بل تصنعهم لتستعملهم. وإسرائيل، في عين الغرب، لم تكن يوماً مجرد كيان ديمقراطي في صحراء الاستبداد، كما يروّجون، بل كانت وما زالت الذراع الطويلة التي تُبقي النار مشتعلة كلما اقتضت الضرورة.
هي الأداة التي تهاجم حيث لا يجرؤ الآخرون، وتتجاوز كل الخطوط الحمراء بينما تظل محاطة بدروع الدعم والفيتو والشرعية المفروضة.
وبينما يتوارى صانع القرار الأمريكي خلف الابتسامات الدبلوماسية، يواصل إرسال الذخيرة والدعم، مطمئناً أن كلماته ستبدو معتدلة أمام جموح “الحليف المدلل”.
وهكذا، تتملص واشنطن من كلفة الدم والصورة، وتترك لإسرائيل مهمة التدمير والخرق، ثم تغسل يديها أمام شعبها، متظاهرةً بالحياد، أو بالأسف “على عنف متبادل”.
لكن التاريخ لا ينسى، ولا الضمير العالمي نائم إلى الأبد.
فحين تُكتب صفحات الغد، لن يُذكر اسم إسرائيل وحدها، بل سيُكتب إلى جوارها اسم من سلّح، ومن موّل، ومن حرّض، ثم ادّعى البراءة.
وإذا كان الغرب قد صنع من إسرائيل رأس حربة، فإن المنطقة لن تستعيد توازنها ما لم تُكسر هذه الحربة أو تُنتزع من يد من يستخدمها.





























