بقلم: د.باسل حسين
لن أتناول القضية من منظور عقائدي، او طائفي بل سأغوص في أعماق التحليل الدولياتي ذي الطابع السوسيوثقافي المركب واقول ان الثقافة الاموية المتجذرة في النسيج الحضاري لبلاد الشام تتبدى كمعيار متفرد لما يمكن تسميته بـ”ثقافة الدولة”، حيث تنبع قوة السلطة من متانة الدولة ذاتها وتماسك بنيتها المؤسسية. ومن هذا المنظور، اضحت فكرة البناء المؤسسي للدولة مرتكزا محوريا يعكس قدرة السوريين المتجددة على التعافي السريع من ازماتهم المتعاقبة مستندين في ذلك إلى فكرة جوهرية وهي مركزية فكرة الدولة.
وعلى النقيض تماما، تظهر المقاربة العراقية في اطارها الشيعي تحديدا ديناميكية ثقافية معاكسة، اذ ان الحالة الشيعية في العراق تشكلت تاريخيا عبر مئات السنين من المعارضة المستمرة للسلطة القائمة والتي كان جوهرها ينصب على تقويض شرعية الحاكم. ومع انتقال الشيعة الى موقع السلطة في العراق، بقيت هذه الذهنية المعارضة راسخة، مما افضى الى اعتقاد القيادات الشيعية بان تعزيز قوتها الوجودية يكمن في تفكيك ركائز الدولة واضعاف بنيتها التحتية. ومن هنا، انصب جهد الطبقة السياسية الشيعية على تعزيز سلطتها الذاتية والدينية على حساب مؤسسات الدولة، مما ادى الى اضعاف الدولة ككيان مستقل وسيادي.
ولعل هذا الفارق الثقافي هو ذاته الذي مكن عبد الرحمن الداخل، وهو فرد وحيد مطارد ومجرد من اي موارد مادية او عسكرية، من تجاوز محنته الشخصية ليعيد صياغة مصيره ويؤسس امبراطورية كبرى في الاندلس. بذكائه السياسي وبراعته العسكرية التي قل نظيرها، استطاع ان يلتف حوله انصار متفرقون ويوحد صفوفهم تحت رايته، حتى بات رمزا للتحدي والصمود. لقد حول هزيمته الاولى الى ملحمة نجاح استثنائية جعلته يُخلّد عبر التاريخ بلقب “صقر قريش”، كناية عن قوته وبُعد نظره.
ان هذا التفاوت الجذري بين هاتين المقاربتين لا يعد تفصيلا عرضيا، بل يشكل عنصرا جوهريا في اعادة صياغة مسارات الشعوب وتحديد قدراتها الحضارية واستشراف مستقبلها في تحقيق النهضة وبناء الدول.




























