بقلم: د. الحقوقي راهب صالح
خيّب الاعتراف العربي بقمة بغداد آمال ملايين العراقيين الذين ظلوا يترقبون أي بادرة تعيد بلدهم إلى عمقه العربي الطبيعي بعد تغييب قسري دام لعقود بفعل الهيمنة الإيرانية المتغلغلة في مفاصل الدولة ومراكز القرار. لقد مثّلت هذه القمة التي أُريد لها أن تكون علامة على الانفتاح العربي خيبة أمل كبيرة لأنها تجاهلت حقيقة مرّة يعيشها العراقيون يوميًا أن السلطة في العراق ليست حرة وأن القرار الوطني مرتهن لمراكز نفوذ خارجية في مقدمتها طهران
كشفت زيارة عدد من أبرز قادة النظام الإيراني إلى العراق قبيل انعقاد القمة بأيام قليلة هذا الواقع بوضوح لا يدع مجالًا للشك. فإلى جانب قائد فيلق القدس إسماعيل قآني حضر أيضًا علي أكبر أحمديان رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وعلي شمخاني المسؤول الأمني السابق المقرب من دوائر الحرس الثوري. لم تكن هذه الزيارات مجاملات دبلوماسية عابرة بل رسائل صريحة تؤكد أن إيران ما زالت تفرض إيقاعها السياسي على بغداد وأن أي قمة أو انفتاح عربي لن يخرج عن الإطار المرسوم سلفًا في طهران
وفي الوقت الذي يحاول فيه رئيس الحكومة محمد شياع السوداني إظهار شيء من الاستقلالية والانفتاح على المحيط العربي تقف الدولة العميقة التي تقودها قوى سياسية وميليشياوية موالية لإيران حجر عثرة أمام أي توجه وطني حر. فكل صوت يحاول التمايز يُواجه بسرعة بهجوم داخلي وتحذير خارجي وعرقلة ميدانية
إن غياب القرار السيادي الحقيقي نتيجة لتنوع الولاءات وتحكم السلاح المنفلت جعل من قمة بغداد مناسبة رمزية فارغة لا تعكس تمثيلًا حقيقيًا للدولة العراقية. وقد عبّر كثير من المحللين والمراقبين عن تساؤل جوهري ما الجدوى من حضور قمة في عاصمة لا تملك قرارها
كان الشعب العراقي ينتظر من أشقائه العرب موقفًا أكثر وضوحًا يُعبّر عن معاناته من الهيمنة الإيرانية لا أن يُشرعن هذه الهيمنة ضمنيًا عبر الاعتراف بحكومة عاجزة عن تمثيل إرادته. لقد شعر العراقيون أن هذا الاعتراف العربي بالقمة جاء كصفعة جديدة لطموحاتهم الوطنية وأسهم في تكريس واقع التبعية بدلًا من مواجهته
إن العراق لن يعود إلى عمقه العربي الحقيقي إلا بتحرره من سطوة النفوذ الإيراني واستعادة قراره الوطني المختطف. وحتى يتحقق ذلك فإن كل قمة تُعقد في بغداد ستظل بلا مضمون وتبقى مجرد صدى لقرارات تُتخذ في أماكن أخرى
لقد شعر العراقيون بأن القمة لم تكن سوى شرعنة جديدة لوضع غير طبيعي عمّق شعورهم بالغربة السياسية والخذلان القومي. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى مؤتمرات رمزية بل إلى مواقف عربية حقيقية تقف إلى جانب شعبه في معركته من أجل التحرر والاستقلال الوطني
وهنا لا بد من توجيه نداء صريح إلى الدول العربية إن واجب الأخوة والضمير القومي يفرض عليكم الوقوف إلى جانب المعارضة العراقية الوطنية في سعيها لإسقاط النظام اللاوطني القائم في العراق والذي بات أداة طيعة بيد طهران. إن دعم هذه القوى هو السبيل الحقيقي لإنهاء حقبة التبعية واستعادة السيادة والكرامة
المسؤولية اليوم مضاعفة فالصمت لم يعد حيادًا بل تواطؤًا وعلى الأمة العربية أن تعي أن أمنها القومي يبدأ من بغداد الحرة وأن إسقاط مشروع الهيمنة الإيرانية في العراق هو مفتاح استقرار المنطقة كلها




























