بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يشهد العالم في عام 2026 واحدة من أخطر مراحل المواجهة الجيوسياسية منذ انتهاء الحرب الباردة، حيث بلغت مستويات التوتر بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة، والاتحاد الروسي من جهة أخرى، ذروة غير مسبوقة ولم يعد هذا الصراع مقتصراً على الجبهات العسكرية التقليدية داخل الأراضي الأوكرانية فحسب، بل تمدد ليتحول إلى مواجهة مفتوحة وشاملة تُدار في “المنطقة الرمادية” وتتداخل في هذه المواجهة الحروب السيبرانية الممنهجة، وحوادث انتهاك المجال الجوي الأوروبي بالطائرات المسيرة، إلى جانب استعراض القوة والتحشيد العسكري المتبادل على طول الجناح الشرقي للحلف وفي منطقة القطب الشمالي وتأتي هذه الموجة الجديدة من التصعيد في توقيت حساس يختبر فيه الكرملين مدى تماسك حلف الناتو وصلابة “المادة الخامسة” للدفاع المشترك، مستغلاً التباينات السياسية والضغوط الاقتصادية التي تمر بها العواصم الغربية وفي المقابل، تصر واشنطن وحلفاؤها على كسر ما يصفونه بـ “العدوان الروسي الهجين” عبر حزم عقوبات تشريعية صارمة وتعميق الدعم العسكري لكييف وإن هذا التدافع المحموم بين القوى العظمى لا يهدد المعادلة الأمنية للقارة العجوز فحسب، بل يضع النظام الدولي بأسره على حافة هاوية قد تؤدي في حال حدوث أي خطأ في الحسابات إلى صدام عسكري مباشر وربما نووي لا يمكن التنبؤ بتبعاته وتتمثل أسباب التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة وحلف الناتو وروسيا في حزمة من الدوافع الجيوسياسية والعسكرية المباشرة، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- الصراع حول الملف الأوكراني والخطوط الحمراء
- استمرار الدعم العسكري لكييف: تزويد الناتو لأوكرانيا بأسلحة متطورة ومعلومات استخباراتية حاسمة تُمكّنها من ضرب العمق الروسي.
- شروط التسوية المرفوضة: تصر موسكو على الاعتراف بالوقائع الميدانية الجديدة كشرط لأي تسوية، وتطالب بضمانات رسمية تمنع انضمام أوكرانيا نهائياً إلى الحلف.
- اختبار تماسك الناتو والمادة الخامسة
- تكتيكات المنطقة الرمادية: تزايد العمليات الروسية الهجينة والسيبرانية وحوادث الطائرات المسيرة فوق دول مثل ليتوانيا وبولندا. تهدف موسكو من ذلك إلى اختبار تفعيل المادة الخامسة لملف الدفاع المشترك.
- استغلال التباين الغرب: تحاول روسيا استغلال الخلافات داخل الحلف، خاصة مع ضغوط إدارة ترامب المستمرة على الدول الأوروبية لرفع الإنفاق الدفاعي إلى نسب غير مسبوقة، وتهديداته بتخفيف الالتزام الأمريكي التقليدي.
- التوسع الشرقي والتحشيد العسكري المضاد
* تطويق روسيا: ترى موسكو في توسع حلف الناتو التاريخي نحو حدودها ومحاولات ضم
دول جوار إضافية تهديداً وجودياً ومباشراً لأمنها القومي.
* تطوير الترسانات العسكرية: يسعى كلا الطرفين لتعزيز التفوق العسكري؛ حيث تُكثف
واشنطن نشر الأسلحة التقليدية المتطورة والصواريخ في القارة العجوز، بينما تُسرّع روسيا
من إنتاج جيل جديد من الصواريخ والمسيرات ومنظومات الردع النووي.
- صراع النفوذ والنظام الدولي الجديد
* يرفض الغرب بقيادة واشنطن محاولات روسيا لفرض “مناطق نفوذ” حصرية لها في شرق
أوروبا. وفي المقابل، ترى موسكو أن أمريكا تستخدم حلف الناتو كذراع لمد هيمنتها الأحادية
ومحاربة الأنظمة الصديقة لروسيا تحت غطاء نشر الديمقراطية.
أبرز التداعيات العسكرية والأمنية
- تصاعد الاحتكاكات المباشرة: تزايد الحوادث العسكرية الخطيرة على الجناح الشرقي للناتو، مثل اقتراب المسيرات والتحرشات الجوية والبحريّة.
- تعزيز القواعد العسكرية: إنشاء خطط لقواعد عسكرية أمريكية دائمة في دول مثل بولندا، ما يرفع من حدة التوتر المباشر مع موسكو.
- تطوير الترسانات العسكرية: تكثيف روسيا لإنتاج جيل جديد ومتطور من الصواريخ والمسيرات الموجهة.
تداعيات التردد والغموض السياسي
- تراجع الثقة عبر الأطلسي: تنامي القلق داخل العواصم الأوروبية حيال غموض الموقف الأمريكي ومستوى التزام واشنطن المطلق بالدفاع عن القارة.
التداعيات الاقتصادية والسياسية
- حزم عقوبات جديدة: إقرار الكونغرس الأمريكي عقوبات اقتصادية وتشريعية مشددة لاستهداف الاقتصاد والقيادة الروسية.
- خطط حماية البنى التحتية: لجوء الدول الأوروبية (مثل فرنسا) لإعداد خطط طوارئ واستنفار لحماية منشآتها الحيوية وشبكات طاقتها من الهجمات الروسية المحتملة.
النتائج والتوقعات
تقود التطورات المتسارعة في عام 2026 إلى حزمة من النتائج الآنية والتوقعات المستقبلية المحتملة لمسار هذا التصعيد الجيوسياسي:
- استمرار حرب الاستنزاف والعمليات الهجينةالأعلى احتمالاً
الإبقاء على الصراع تحت عتبة المواجهة العسكرية المباشرة وزيادة مفرطة في الهجمات السيبرانية، وعمليات التخريب الممنهجة للمستودعات ومصانع الذخيرة داخل أوروبا، مع استمرار الخروقات الجوية لإبقاء الحلف في حالة استنفار مستمر.
- اختبار المادة الخامسة (صدام محدود)متوسط إلى منخفض
محاولة موسكو الخروج من مأزق الجمود الميداني في أوكرانيا عبر جبهة أخرى وإقدام روسيا على تنفيذ “توغل بري خاطف ومحدود” أو إرسال جماعات مسلحة غير معرفة لاحتلال شريط حدودي ضيق في إحدى دول البلطيق، بهدف اختبار مدى جدية الناتو في تفعيل بند الدفاع المشترك
- تسوية اضطرارية هشةوارد سياسياً
مدفوع بضغوط إدارة ترامب والإنهاك الاقتصادي.فرض هدنة أو تسوية واقعية تجبر أوكرانيا على القبول بالوقائع الميدانية الحالية مقابل تقديم الغرب لضمانات أمنية مشددة للدول المحاذية لروسيا لتجنب حرب شاملة.





























