بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تُعد مقولة “الخطر الإيراني يوحد العرب” محوراً لنقاش سياسي وفكري واسع في العلاقات العربية الإقليمية، حيث تتباين الرؤى والتحليلات السياسية حول مدى صحة هذه الفكرة وتأثيرها على البوصلة الاستراتيجية للمنطقة.
ويمكن تلخيص أبرز وجهات النظر والاتجاهات السياسية حول هذا المفهوم في الجوانب التالية:
- وجهة النظر المؤيدة: التهديد كمحفز للتقارب
- استشعار الخطر المشترك: يرى كتاب ومحللون ، أن التدخلات الإيرانية الإقليمية واستثمارها في الهويات الطائفية لإضعاف الهويات الوطنية يمثل تهديداً مباشراً لسيادة واستقرار الدول العربية.
- بناء تحالفات دفاعية: يجادل أصحاب هذا الرأي بأن المشاريع التوسعية الإيرانية وسعيها لامتلاك سلاح نووي يدفعان الدول العربية (لا سيما دول الخليج) نحو تنسيق مواقفها الأمنية والسياسية بشكل أوثق لمواجهة الأطماع المشتركة.
- وجهة النظر المعارضة: تشتيت البوصلة العربية
- إزاحة الصراع المركزي: في المقابل، يرى منتقدون لهذا المفهوم أن “تضخيم الخطر الإيراني” يساهم في تشتيت البوصلة العربية عن القضية الأساسية والصراع المركزي في المنطقة.
- لرؤية البديلة للتهديد الوجودي: يشير أصحاب هذا الطرح ، إلى أن إعطاء الأولوية للصراع مع إيران قد يوظف إقليمياً لتهيئة المنطقة لقبول الكيان الصهيوني، معتبرين أن الاحتلال يظل هو التهديد الوجودي الأكبر للعرب.
- الموقف الإيراني الرسمي
- الخطاب الدبلوماسي لطهران: من جهتها، تحاول القيادة الإيرانية رسمياً دحض هذه الرؤية الدفاعية العربية؛ حيث يكرر المسؤولون الإيرانيون تصريحات تفيد بأن طهران لا تسعى للحرب مع الدول الإسلامية، وأن قوى خارجية تسعى لإثارة الفتنة بين المسلمين وتضخيم المخاوف لتقسيم المنطقة ، وتوضح هذه التباينات كيف يتحول مفهوم “الخطر الإيراني” إلى مادة استراتيجية يعاد تشكيلها وفقاً للمصالح والأولويات السياسية لكل دولة أو تيار داخل المشهد السياسي في الشرق الأوسط.
هل نحن أمام قوة عربية جديدة مناهضة لايران
لا توجد حالياً قوة عسكرية عربية موحدة ومدمجة تعمل ككتلة واحدة موازية لقوة إيران، ولكن المشهد الجيوسياسي يشهد صعود معادلات ردع بديلة تعتمد على التحالفات الاستراتيجية والنمو الاقتصادي والتكنولوجي المتفوق ولفهم ميزان القوى الحالي ومقارنته بالنموذج الإيراني، يمكن تقسيم الواقع الإقليمي إلى عدة أبعاد أساسية:
- مفهوم القوة: النهج العربي مقابل النهج الإيراني
تختلف الرؤية الاستراتيجية لبناء القوة بين الأقطاب العربية الرئيسية وإيران بشكل جذري:
- المحور العربي الرئيسي (السعودية والإمارات): يركز على استراتيجية “قوة الدولة والاقتصاد المتفوق” يعتمد هذا النهج على بناء بنية تحتية متطورة، استثمارات عالمية، وتحديث عسكري هائل عبر امتلاك أحدث المنظومات الدفاعية والتكنولوجية الغربية وسلاح الجو المتقدم.
- المحور الإيراني: يركز على استراتيجية “قوة السلاح والنفوذ الخارجي” تعتمد طهران على الحرب المتكافئة عبر تطوير ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والمسيّرات داخلياً، بجانب شبكة واسعة من الفصائل والأذرع الإقليمية المسلحة كأدوات ردع متقدمة خارج حدودها.
- غياب “الناتو العربي” وصعود التحالفات البديلة
على الرغم من تكرار الدعوات لتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك أو تشكيل قوة عربية موحدة، إلا أن تشكيل “جيش عربي موحد” يواجه عقبات نتيجة تباين الأولويات السياسية لكل دولة ، بدلاً من ذلك، تبلورت تحالفات أمنية واستراتيجية بديلة:
- “حلف مكة” والدفاع المشترك: برز مؤخراً تطور بارز بتشكيل حلف مكة المشترك الذي يضم السعودية، باكستان، وتركيا، بدعم قطري وتنسيق مستمر، لبدء تنفيذ التزامات دفاعية استراتيجية.
- الغطاء الأمني الدولي والدفاع الإقليمي: توازن الدول العربية مخاوفها الأمنية عبر تعزيز اتفاقياتها مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، بجانب بناء منظومات إنذار مبكر ودفاع جوي وصاروخي منسق في المنطقة لمواجهة خطر المسيّرات والصواريخ
3. مقارنة القدرات العسكرية التقليدية
وفقاً لتصنيفات مراكز الدراسات العسكرية لعام 2026 ، تمتلك دول عربية فرادى قدرات عسكرية تقليدية هائلة تفوق إيران في جوانب وتتأخر في أخرى:
أوجه المقارنة بين الجيش الإيراني والجيوش العربية الكبرى مثل (السعودية ومصر والجزائر)
أولاً: التفوق التكنلوجي الجوي
· الجيش الايراني: محدود تقليدياً يعتمد على طائرات قديمة، لكنه يعوّض ذلك بشبكات دفاع جوي محلية وأنظمة حرب سيبرانية.
· الجيوش العربية: متفوق جداً من طائرات مقاتلة من الجيل الحديث (F-15SA ، رافال، إف-35 المستقبلية) وأنظمة دفاع
ثانياً: العنصر البشري والعددي
- الجيوش العربية: جيوش نظامية ضخمة مدعومة بقدرات لوجستية واقتصادية مستقرة.
- الجيش الايراني: ضخم جداً وتفوق عددي كبير في القوات العاملة والوحدات شبه العسكرية “الباسيج”.
ثالثاً: التصنيع العسكري والردع الذاتي
- الجيوش العربية: صناعة نامية وهناك حراك متسارع لتوطين الصناعات الدفاعية، لكن الاعتماد الأكبر لا يزال على الاستيراد والتحالفات الخارجية.
- الجيش الايراني: مرونة عالية و قدرة هيكلية على تجميع وإنتاج الصواريخ الباليستية والمسيّرات محلياً حتى تحت الضغوط وضربات الحروب.
الخلاصة:
نحن لسنا أمام “قوة عربية موحدة” بالمعنى الكلاسيكي، بل أمام محور عربي يقود توازناً استراتيجياً ذكياً؛ يواجه القوة العسكرية المتكافئة لإيران عبر التفوق التكنولوجي والاقتصادي، وبناء شبكة تحالفات إقليمية ودولية مرنة قادرة على تحجيم المخاطر دون الانجرار إلى حروب استنزاف مفتوحة.
























