بقلم: د. راهب صالح الخليفاوي
حقوقي وباحث في الشأن الإيراني
لم تعد أزمة نظام الولي الفقيه في إيران شأناً داخلياً معزولاً بل تحولت إلى أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل الرفض الشعبي والتوتر الأمني والضغط الاقتصادي وتراجع القدرة على ضبط المجال الإقليمي وتشير التطورات المتلاحقة خلال سبتمبر 2026 إلى أن النظام يواجه واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات طويلة إذ تتآكل تدريجياً الصورة التي حاول ترسيخها عن دولة قادرة على فرض السيطرة الكاملة في الداخل وإدارة شبكة واسعة من النفوذ في الخارج
وبحسب بيان صادر عن أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية فقد نفذت وحدات المقاومة في 16 سبتمبر أيلول 2026 أربعين عملية في طهران وعشرين مدينة أخرى إحياء لذكرى ضحايا انتفاضة عام 2022 وشملت العمليات بحسب البيان مدن مشهد وكرج والأهواز وقم وكرمانشاه وساري وأراك ويزد وزنجان وبندر عباس وبوشهر وزاهدان وسمنان وبيرجند ونيشابور وسبزوار وساوة وبابل وبم وإيرانشهر
ويقول المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إن هذه العمليات نُفذت رغم حالة الاستنفار الأمني وإنها استهدفت مواقع مرتبطة بالباسيج والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات كما تحدث البيان عن تفجير قاعدتين للباسيج في مشهد وإضرام النار في قواعد أخرى في بم وإيرانشهر ومهاجمة مراكز في مشهد وكرمانشاه وإحراق لوحات إرشادية مرتبطة بمقار الباسيج ووزارة المخابرات في طهران وبوشهر وإيرانشهر كما أشار إلى إحراق صور ورموز دعائية مرتبطة بقيادات الجمهورية الإسلامية
الدلالة السياسية لهذه التحركات لا تكمن فقط في عدد العمليات أو مواقعها بل في الرسالة التي تسعى وحدات المقاومة إلى إيصالها وهي أن المعارضة المنظمة ما زالت قادرة على الحركة داخل مدن متعددة وأن القبضة الأمنية الواسعة لم تتمكن من إنهاء كل أشكال النشاط المناهض للنظام وهذا يفسر حالة الاستنفار الأمني المتكرر ومحاولات السلطات إظهار قدرتها على السيطرة واعتقال خصومها
الأزمة الأعمق للنظام لا ترتبط بمواجهة تنظيم بعينه وإنما بتراكم عوامل داخلية متزامنة فالضغط الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية والغضب الاجتماعي واستمرار آثار احتجاجات السنوات الماضية تخلق بيئة يصعب ضبطها بالأدوات الأمنية وحدها كما أن تقارير حقوقية ودولية تتحدث عن انتهاكات جسيمة ارتكبت خلال قمع الاحتجاجات بما في ذلك القتل غير المشروع والتعذيب والاعتقالات التعسفية وهو ما يضيف بعداً حقوقياً وقانونياً دولياً إلى الأزمة الداخلية للنظام
إن استمرار الاحتجاج وتزايد نشاط وحدات المقاومة واتساع مساحة الغضب الاجتماعي يعني أن المشكلة التي يواجهها النظام لم تعد مجرد موجة مؤقتة يمكن احتواؤها بل أصبحت حالة استنزاف متواصلة فكلما اتسعت الفجوة بين الواقع الاجتماعي وبين الرواية الرسمية عن الاستقرار الكامل ازدادت الضغوط على الأجهزة الأمنية والسياسية وأصبح الحفاظ على صورة السيطرة أكثر كلفة
أما على المستوى الإقليمي فإن شبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال عقود تواجه بدورها تحولات معقدة ففي العراق ما زالت الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران تملك ثقلاً عسكرياً وسياسياً مهماً لكن الحكومة العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة في ملف حصر السلاح بيد الدولة كما أن عدداً من الفصائل القوية ما زال يقاوم مساعي نزع السلاح أو يربطها بشروط سياسية وأمنية وهو ما يكشف حجم التحدي الذي يواجه الدولة العراقية في التعامل مع تشكيلات تمتلك آلاف المقاتلين ومصالح سياسية واقتصادية ونفوذاً متراكماً
وهذا الواقع لا يعني أن الفصائل المسلحة في العراق انتهت لكنه يعني أن نموذج السلاح الموازي للدولة أصبح موضع مواجهة سياسية ومجتمعية أكبر من السابق وأن استمرار هذا النموذج يضع العراق أمام اختبار يتعلق بسيادة الدولة وقدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري
وفي اليمن تبدو الصورة أكثر تعقيداً لأن الحوثيين ما زالوا يمتلكون قدرة عسكرية كبيرة وقد وسعوا خلال الفترة الأخيرة عملياتهم واحتفظوا بقدرات صاروخية ومسيرة مؤثرة ولذلك لا يمكن وصف الحوثيين بأنهم في حالة نهاية عسكرية في الوقت الراهن
لكن استمرار التصعيد في اليمن يحمل في الوقت نفسه كلفة متزايدة على إيران نفسها لأن كل جبهة إقليمية تحتاج إلى موارد سياسية وعسكرية واقتصادية وكل أزمة جديدة تربط طهران بشكل أعمق بصراعات المنطقة وتزيد من حجم الضغوط الدولية عليها ولهذا يمكن أن تتحول بعض أدوات النفوذ الإقليمي التي كانت تمثل في السابق عناصر قوة إلى مصادر استنزاف استراتيجي مستمر
وهنا تتضح المفارقة الأساسية في مشروع الولي الفقيه فقد قام هذا المشروع طويلاً على فكرة بناء خطوط دفاع خارج الحدود وربط أمن النظام بنفوذه داخل دول المنطقة لكن التحدي الذي يواجهه اليوم هو أن الضغط أصبح يتحرك في الاتجاه المعاكس من الداخل الإيراني إلى محيطه الإقليمي
إذا استمر الغضب الشعبي وإذا استمر نشاط المعارضة المنظمة وإذا تواصلت الضغوط الاقتصادية والحقوقية والدولية بالتزامن مع ارتفاع كلفة إدارة الحلفاء الإقليميين فإن قدرة النظام على الحفاظ على المعادلة القديمة ستصبح أكثر صعوبة
ومع ذلك فإن القول إن سقوط النظام أصبح محسوماً أو أن موعد نهايته بات معروفاً سيكون استنتاجاً يتجاوز ما تسمح به الوقائع الحالية فالأنظمة السياسية يمكن أن تستمر لفترات طويلة رغم الأزمات إذا بقيت مؤسساتها الأمنية والعسكرية والإدارية متماسكة ولذلك فإن المؤشرات الحقيقية التي يجب مراقبتها هي حجم الاحتجاجات ومدى استمرارها ودرجة التماسك داخل مؤسسات النظام وحجم الانقسامات داخل النخبة الحاكمة ومدى قدرة الأجهزة الأمنية على الاستمرار في فرض السيطرة وكذلك قدرة الدولة على تمويل وإدارة نفوذها الإقليمي
إن نظام الولي الفقيه يواجه اليوم اختباراً وجودياً مركباً يبدأ من الشارع الإيراني ولا ينتهي عند بغداد وصنعاء فالمقاومة الداخلية تضغط على شرعيته والاقتصاد يضغط على قدرته على المناورة والملف الحقوقي يضعه أمام مساءلة دولية وشبكة النفوذ الإقليمي التي شكلت أحد أعمدة قوته باتت تحتاج إلى موارد وحماية وإدارة مستمرة
ومن هنا فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان النظام قادراً على قمع خصومه بل ما إذا كان قادراً على تحمل كلفة استمرار هذا النموذج السياسي والأمني والإقليمي لسنوات أخرى
قد لا تكون نهاية نظام الولي الفقيه حدثاً يقع في يوم واحد وقد لا تبدأ من جبهة واحدة لكنها إذا حدثت فستكون على الأرجح نتيجة تراكم طويل من الاحتجاج الداخلي والانقسام والضغط الاقتصادي وتراجع الثقة بالخوف كوسيلة دائمة للحكم وتآكل القدرة على إدارة أذرع النفوذ خارج الحدود
إن ما يجري في إيران اليوم يكشف أن معركة المستقبل لم تعد محصورة بين النظام وخصومه في الخارج بل أصبحت معركة داخل المجتمع الإيراني نفسه حول شكل الدولة وطبيعة السلطة وحدود دور المؤسسة الدينية والعسكرية ومستقبل الحريات والحقوق
وفي النهاية فإن مستقبل إيران سيحدده الإيرانيون أنفسهم ومدى قدرتهم على بناء نظام سياسي يحفظ حقوق الإنسان وسيادة القانون ويضمن انتقالاً سلمياً للسلطة ويمنع تكرار دورات الاستبداد والعنف




























