بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
مؤشرات التصعيد الميداني والسياسي تشير إلى أن المنطقة باتت أقرب من أي وقت مضى إلى موجة مواجهة جديدة وعنيفة، حيث يرى مراقبون ومحللون أن الصراع المستمر منذ قرابة ثمانية أشهر يدور في حلقة مفرغة بين مساعي التفاوض والتحشيد العسكري غير المسبوق وإن تهديد ايران دول الخليج بدلاً من المصالح الأمريكية هو مفهوم غير دقيق تماماً؛ فالحقيقة أن التهديدات الإيرانية تشمل الطرفين معاً كجزء من استراتيجية متكاملة لـ “ردع” أي هجوم عسكري ضدها ومع ذلك، يبرز تهديد البنية التحتية الخليجية كأداة ضغط استراتيجية محددة لعدة أسباب رئيسية:
- الضغط على واشنطن عبر حلفائها
تدرك طهران أن الولايات المتحدة ملتزمة أمنياً بحماية دول الخليج واستقرار أسواق النفط العالمية. من خلال تهديد منشآت الطاقة والمطارات في المنطقة، تحاول إيران دفع العواصم الخليجية ممارسة نفوذها الدبلوماسي للضغط على الإدارة الأمريكية لمنعها من شن هجمات جديدة.
- رفع كلفة الحرب دولياً وعالمياً
استهداف المنشآت النفطية في الخليج يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية فوراً. حدوث ذلك يؤدي إلى قفزات ضخمة في أسعار النفط (تجاوز برنت حاجز 108 دولارات مؤخراً)، ما يخلق أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة تضع واشنطن والمجتمع الدولي تحت ضغط شعبي واقتصادي هائل لإيقاف الحرب.
- معادلة “الأمن المشترك أو الدمار المشترك“
الرسالة الإيرانية الموجهة عبر القنوات الدبلوماسية تقوم على مبدأ “إذا تعرضت بنيتنا التحتية للطاقة للضرب، فلن تنعم المنطقة بأي أمن في قطاع الطاقة” وهي تسعى بذلك لإجبار دول الجوار على تبني موقف محايد تماماً ومنع استخدام القواعد العسكرية أو الأجواء الخليجية لشن عمليات ضدها.
هل تتجنب إيران المصالح الأمريكية؟
التصريحات والبيانات الرسمية الأخيرة الصادرة عن الحرس الثوري الايراني تؤكد بوضوح أن القواعد العسكرية الأمريكية والسفن الحربية في الشرق الأوسط تقع في مقدمة بنك الأهداف الإيرانية في حال استمرار واشنطن في حصار الموانئ الإيرانية أو مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز.
المواجهة الحالية لا تعني استثناء طرف لحساب آخر، بل هي توسيع “لجغرافيا الردع” لتشمل القواعد الأمريكية والبنى التحتية الاقتصادية للمنطقة بأكملها لرفع الكلفة السياسية والعسكرية لأقصى حد ممكن ، حيث تشير الوقائع الميدانية والسياسية الراهنة ملامح اقتراب المواجهة بين امريكا واسرائيل وايران على النو التالي:
- الخطط العسكرية وبنك الأهداف بعد الانتخابات
تقارير استخباراتية أمريكية ، نشرتها وسائل الإعلام ، كشفت أن مستشاري الرئيس دونالد ترمب بالتنسيق مع إسرائيل أعدّوا خططاً لشن حملة عسكرية خاطفة ومكثفة تستمر أياماً عدة ضد إيران وتشير المعطيات إلى أن ساعة الصفر المقدرة لهذه الضربات قد تبدأ فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية (المقررة في 3 نوفمبر)، حيث سيكون البيت الأبيض تحت قيود سياسية أقل.
- عقيدة إيران “الهجومية” الجديدة
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الايراني رسمياً عن الانتقال إلى “عقيدة عسكرية هجومية” وتوعدت طهران بأنه في حال استمرار الحصار البحري الأمريكي على موانئها، فإنها ستلجأ إلى “العمل المباشر” واجتياح دول مجاورة واستهداف القواعد الأمريكية بكثافة، ملوحة بـ “الدمار الشامل” لإمدادات الطاقة والاتصالات في الخليج.
- تدابير أمنية أمريكية استثنائية
تأكيداً لجدية الموقف، أصدرت وزارة الخارجية الامريكية أوامر عاجلة بإجلاء الموظفين الدبلوماسيين غير الأساسيين وعائلاتهم من المملكة العربية السعودية وتزامن ذلك مع إطلاق واشنطن “تحذيراً أحمر” لرعاياها في 12 دولة بالشرق الأوسط من مخاطر استهداف وشيك للمصالح الأمريكية والغربية.
- اشتعال حرب البحار (مضيق هرمز)
ميدانياً، بدأت المواجهة بالفعل في الممرات المائية؛ حيث أعلن الحرس الثوري مؤخراً عن اشتعال النيران وتضرر عدة سفن نفطية ومخالفة إثر اصطدامها بألغام بحرية في مضيق هرمز والقسم الشمالي من الخليج، وسط تبادل للضربات المباشرة بين واشنطن وطهران.
بينما تقود أطراف دولية مثل روسيا وباكستان وتركيا وساطات دبلوماسية مكثفة في طهران للحيلولة دون الانفجار الكبير، إلا أن رغبة إسرائيل في توجيه ضربة حاسمة للمنشآت النووية الإيرانية وإصرار إدارة ترمب على الشروط السبعة لفتح مضيق هرمز يضعان المنطقة رسمياً على حافة حرب إقليمية شاملة ينتظر الطرفان فيها توقيت التوظيف السياسي والعسكري المناسب لتبادل الضربات الكبرى.
النتائج المتوقعة:
من المفترض ان الولايات المتحدة أعدت خططاً استراتيجية عسكرية واقتصادية متكاملة صُممت خصيصاً لتلافي سيناريو “حرب الاستنزاف” وتقليل الخسائر في بنية الطاقة التحتية. تعتمد العقيدة العسكرية والاستراتيجية الأمريكية الحالية على أربعة محاور أساسية لإحباط قدرة طهران على تنفيذ تهديداتها:
- استراتيجية “الصدمة والترويع” الخاطفة لشل الترسانة
الخطة الأمريكية المشتركة مع إسرائيل لا تقوم على فكرة التدرج العسكري، بل على شن حملة قصف مكثفة وعنيفة تستمر لأيام قليلة فقط (تقدر بثلاثة أيام) الهدف الاستراتيجي من هذه السرعة هو تدمير وتحييد منصات إطلاق الصواريخ، ومستودعات الطائرات المسيرة، وسلاح بحرية الحرس الثوري الإيراني قبل أن تتاح لهم فرصة توجيه ضربات انتقامية واسعة النطاق نحو المنشآت الخليجية أو القواعد الأمريكية.
- تدمير القدرة المالية واللوجستية مسبقاً
تراهن واشنطن على أن الحصار البحري الخانق الذي تفرضه القيادة المركزية الأمريكية نجح بالفعل في استنزاف مخزونات النفط الإيرانية العائمة في المياه الآسيوية، وحرمان طهران من عائدات حيوية بلغت 25 مليار دولار وهذا التجفيف المالي واللوجستي يهدف إلى إضعاف قدرة النظام على الصمود عسكرياً أو تمويل جبهات متعددة لفترة طويلة.
- شبكة الدفاع الصاروخي المتكاملة
تعتمد الولايات المتحدة على منظومات دفاع جوي وصاروخي من الجيل الأحدث (مثل باتريوت، وثاد، ومنظومات إيجيس البحرية) المنشورة بكثافة في الخليج وحول القواعد العسكرية ، الهدف من هذه الشبكة هو اعتراض أي رشقات صاروخية أو مسيرات إيرانية قبل وصولها إلى منشآت النفط والغاز وحمايتها بشكل استباقي.
4.الفجوة بين التخطيط الاستراتيجي والواقع الميداني
رغم وجود هذه الخطط الرادعة، يرى الخبراء والمخططون العسكريون في واشنطن أن تلافي الخطر بنسبة 100% يظل تحدياً كبيراً لسببين:
- الطبيعة غير النمطية للهجمات (الحرب غير المتناظرة): يمكن لإيران استخدام خلايا نائمة، أو ألغام بحرية ذكية، أو هجمات سيبرانية، أو حتى توظيف جماعات مسلحة لضرب خطوط الأنابيب ومحطات الضخ، وهي أهداف يصعب حمايتها بالكامل بالدفاعات الجوية التقليدية.
- فرضية الاستسلام السريع: الاستراتيجية الأمريكية مبنية على فرضية أن قصفاً لثلاثة أيام سيجبر طهران على تقديم تنازلات دبلوماسية؛ إلا أن تبني إيران مؤخراً لـ “العقيدة الهجومية” يشير إلى أنها قد تختار المضي في حرب استنزاف طويلة وممتدة، وهو السيناريو الذي تحاول الخطط الأمريكية تجنبه.
أذرع ايران في المنطقة
من المؤكد ان ايران ستفعل دور اذرعها في المنطقة وخاصة جماعة الحوثي في اليمن (الجبهة الأخطر على الملاحة والخليج) في إغلاق الممرات المائية الكبرى لقطع حركة الملاحة في البحر الأحمر تماماً إذا تصاعدت الضربات ضد إيران ولبنان وكذلك ستُوكل للفصائل المسلحة في العراق وسوريا مهمة استهداف القواعد الأمريكية مباشرة ودول شن هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى ، الهدف منها هو إبقاء القوات الأمريكية في حالة استنفار دائم وتقييد حريتها في تقديم الدعم الكامل للحملات الجوية الكبرى.
























