بقلم: الدكتور بندر عباس اللامي
المعلومات المُقدمة ترسم صورة قاتمة للوضع السياسي في العراق، وتُسلط الضوء على عدة نقاط رئيسية منها تدني جودة النخبة السياسية حيث يُعد تصنيف العراق في المرتبة 146 من أصل 151 في مؤشر “جودة نخب السياسيين” مؤشرًا شديد الخطورة. هذا يعني أن النخبة السياسية العراقية تُصنف ضمن الأسوأ عالميًا، وتُقارن بدول غارقة في الصراعات والكوارث الإنسانية.
هذا التصنيف لا يعكس فشلًا فرديًا لسياسي واحد، بل يُشير إلى فشل هيكلي ومنظومي في آليات اختيار وتأهيل وعمل النخبة السياسية في العراق.ارتباط الفساد بسوء الإدارة فالربط بين إهدار مليارات الدولارات سنويًا في الفساد وبين تدني جودة السياسيين ليس مصادفة. الفساد هو أحد المظاهر الرئيسية لسوء الإدارة وغياب المساءلة والشفافية.
عندما يُنفق غالبية تخصيصات الموازنة على الرواتب والتقاعد، بينما تُهدر مبالغ طائلة في الفساد، فهذا يُشير إلى أن الأولويات ليست موجهة نحو التنمية والاستثمار في المستقبل، بل نحو استدامة نظام ريعي يخدم مصالح فئة معينة.
واصبح لذلك تأثير ذلك على التنمية من الطبيعي أن يُغيب العراق عن قوائم التقدم والتنمية في ظل هذه الظروف. لا يمكن لدولة أن تتقدم اقتصاديًا واجتماعيًا عندما تكون نخبها السياسية غير كفؤة وفاسدة وغير قادرة على صياغة سياسات فعالة ،كذلك غياب “صناعة سياسيين” (أي وجود قيادات قادرة على وضع رؤى استراتيجية وتنفيذها) يُعد عائقًا كبيرًا أمام أي محاولة للإصلاح أو التنمية المستدامة.
هناك كثير من الروايات الدارجة وتعزيز الانطباع السلبي فالإشارة مثلا إلى حادثة “قبغ القلم” ومقولة طارق عزيز عن “لصوص وعصابات نهب” ليست مجرد حكايات؛ بل هي روايات شعبية وسياسية تُعزز الانطباع السلبي العام حول جودة وفساد النخبة السياسية. هذه القصص، سواء كانت حقيقية بالكامل أم لا، تُساهم في تشكيل وعي عام بعدم الثقة واليأس من الطبقة الحاكمة.
الاستنتاج الصريح من ان هذه العبارة تؤكد ان العراق لا يمتلك سياسيين.. بل لصوص وعصابات نهب هي استنتاج صارخ ومباشر، يعكس حجم الإحباط والغضب الشعبي من الوضع الحالي.
إن ما ورد في هذه المعلومات هو دعوة قوية للتفكير والتغيير، ويُمكن التعليق عليه من عدة جوانب منها حتمية الإصلاح الجذري فالتصنيف المتدني للعراق في مؤشر جودة السياسيين ليس مجرد رقم، بل هو ناقوس خطر يُشير إلى أن الوضع لم يعد يحتمل الترقيع أو الإصلاحات الجزئية. يتطلب الأمر إصلاحًا جذريًا يشمل آليات اختيار القيادات، ومحاربة الفساد بشكل فعال، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية والقضائية.
لم خافيا ان تأثير الفساد على حياة المواطن اصبح واضحا جدا فالفساد الذي يُقدر بعشرات المليارات دولار سنويًا ليس مجرد أرقام على الورق، بل هو أموال تُحرم منها الخدمات الأساسية للمواطنين مثل بناء وحديث المستشفيات الأفضل، مدارس حديثة، بنية تحتية سليمة، فرص عمل للشباب. هذا الفساد يُترجم مباشرة إلى فقر، بطالة، وتدهور في جودة الحياة.
في ظل هذا الوضع، يزداد دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة أهمية في فضح الفساد، ومحاسبة المسؤولين، والضغط من أجل التغيير. الوعي العام بهذه الحقائق هو الخطوة الأولى نحو المطالبة بالإصلاح.
بات واضحا أن العراق بحاجة ماسة إلى جيل جديد من السياسيين الوطنيين والكفؤين، الذين لديهم رؤية واضحة لمستقبل البلاد، ويضعون مصلحة الوطن والمواطن فوق المصالح الشخصية والحزبية. هذا يتطلب تغييرًا في الثقافة السياسية السائدة.
على الرغم من الصورة المظلمة، فإن إبراز هذه الأرقام والحقائق يُعد خطوة إيجابية نحو الوعي بالمشكلة. الوعي هو البوابة الأولى نحو البحث عن حلول. يجب ألا يدفع هذا التصنيف إلى اليأس المطلق، بل إلى تحفيز المطالبة بالتغيير وبناء دولة حقيقية.
إن المعلومات المقدمة تُرسي حقيقة مؤلمة حول واقع الحكم في العراق، وتُجبر على التساؤل: متى سيتوقف هذا النزيف، ومتى سيبدأ العراق في بناء نخبة سياسية تليق بتضحيات شعبه وإمكانياته الكبيرة؟
نعم جاءت المعلومة التي تناقلتها الاخبار حول تصنيف العراق في مؤشر “جودة نخب السياسيين” الدولي الصادر عن جامعة “سانت غالن” السويسرية تعكس واقعًا مريرًا لكنه ليس مفاجئًا للكثير من العراقيين. المرتبة 146 من أصل 151 دولة هي نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الأزمات المتراكمة في الحكم والإدارة، وغياب المعايير المؤسسية الحقيقية في اختيار النخب السياسية.
معروف عالميا ان مؤشر “إيـكو إكس” (EQx) هو مؤشر دولي يُعنى بتقييم كفاءة النخب السياسية والاقتصادية، بناءً على مجموعة من المعايير تشمل الشفافية، النزاهة، الكفاءة، والمساءلة. اشتراك جامعة مرموقة كمؤسسة سانت غالن وعدد من المؤسسات الأكاديمية الأخرى، يمنح المؤشر وزنًا علميًا لا يُستهان به.
الترتيب المتدني للعراق فأن يحل العراق في المرتبة 146 من أصل 151 دولة هو مؤشر ودليل صارخ على انعدام الكفاءة السياسية.وغياب الحوكمة الرشيدة.واستشراء الفساد.سيطرة شبكات الزبائنية والمحاصصة الطائفية على القرار السياسي.
فقدان الثقة الشعبية بالطبقة الحاكمة.
تشير بعض التقديرات والأرقام المصاحبة إلى إنفاق 70% من الموازنة على الرواتب والتقاعد دون استثمار حقيقي في البنية التحتية أو القطاعات الإنتاجية، هو وصف دقيق للاقتصاد الريعي القائم على توزيع الريع النفطي وليس على توليد القيمة.
10 مليارات دولار تُهدر سنويًا في الفساد هو رقم مخيف يعكس حجم النهب المؤسسي الذي تشهده الدولة، كما تؤكده تقارير منظمات الشفافية الدولية.
ناهيك عن السخرية الشعبية والتعليقات المرتبطة بـ”قبغ القلم” لإبراهيم الجعفري، رغم طرافتها، تعكس أمرين:
الاول فقدان الناس للثقة الكاملة بجدية السياسيين.والثاني لجوء الشارع إلى السخرية السياسية كوسيلة تفريغ ونقد في غياب قنوات مساءلة حقيقية.
ماوصفهم به طارق عزيز:
وصف طارق عزيز لطبقة الحكم بـ”اللصوص والعصابات” يتردد اليوم على ألسنة الكثير من العراقيين، بغض النظر عن مواقفهم من النظام السابق. والمفارقة المؤلمة أن هناك استمرارية بنيوية في انحدار النخب السياسية من عهد إلى عهد، دون بناء مشروع وطني جامع أو نخبة إصلاحية حقيقية.
ما ورد في هذا التقرير والتعليقات المصاحبة له ليس مجرد مادة إعلامية عابرة، بل هو تشخيص صادم لكنه حقيقي لحال النخبة السياسية العراقية. هو دعوة صامتة ـ أو ربما صاخبة ـ لإعادة التفكير في معنى “التمثيل السياسي” وفي جدوى استمرار النظام الحالي بهيكليته الطائفية والمحاصصاتية.
وهذا الواقع هو ما يجعل الحاجة إلى مشروع إعلامي توعوي، مهني، عابر للطائفية والولاءات الضيقة، أمرًا أكثر من ضروري. مشروع يكشف الحقائق ويعيد تشكيل الوعي الجمعي نحو دولة مدنية رشيدة، تقودها كفاءة لا قرابة، ووطنية لا عمولات.




























