د.علي العبيدي
في تسعينات القرن الماضي وبالتحديد في السادس من أيلول صدر لنا امراً وزاريا للمشاركة في مؤتمر دولي حول المياه في إسبانيا عقد في مدينة فالنسيا شاركت فيه لاحقا، وفي شهر آب من هذه السنة بدأت تركيا بإملاء خزان سد اتاتورك جنوب الأناضول وكان في حينه رابع اكبر سد في العالم ، وحينما بدأت تركيا بملئ الخزان انقطعت المياه عن التدفق تماما في نهر الفرات عند الحدود السورية التركية نزولا باتجاه العراق مما يعني هلاك الإنسان والحيوان والمزروعات واحتمال توقف الحياة في مناطق حوض الفرات، علما ان عملية ملئ خزان اتاتورك قد تستمر مدة ثلاث سنوات دون مرور أية قطرة ماء في نهر الفرات … وعلى اثر ذلك صدر امراً رئاسياً بتشكيل وفد برئاسة الأستاذ نزار حمدون وكيل وزارة الخارجية ( تغمده الله برحمته الواسعة) ضم في وعضويته العديد من الخبراء والمعنيين وكنت أنا احدهم باعتباري مسؤولا عن دسك المياه في الوزارة، وفي الاول من أيلول من العام نفسه سافر الوفد العراقي متوجها إلى العاصمة التركية انقرة مع إعلام الجانب السوري بذلك الذي بدوره شكل وفدا لزيارة تركيا لغرض توحيد الضغط على الجانب التركي والطلب بالسماح بتدفق المياه في نهر الفرات ولو بنسبة معينة. عقد الوفدان العراقي والسوري مع الجانب التركي عدة اجتماعات متواصلة والطلب من الجانب التركي بالسماح بمرور المياه في نهر الفرات بنسبة 500 متر مكعب في الثانية للمحافظة على استمرار ديمومة الحياة في حوض نهر الفرات، واستمرت المفاوضات لمدة يومين في وزارة الخارجية التركية دون التوصل إلى أي اتفاق او حل لموضوع المياه وفي كل اجتماع كانت تركيا تماطل وتراوغ لمنع الوصول إلى حل يرضي الأطراف الثلاثة العراق وسوريا وتركيا ، وفي صباح اليوم الثالث اضطرّ الوفد العراقي إلى اتخاذ قرار مغادرة تركيا وحزم حقائبه للتهيؤ للمغادرة وعند نزول الوفد إلى الرسبشن في فندق الإقامة فوجئ الوفد العراقي بوجود المئات من الصحفيين والاستفسار من الوفد العراقي حول عملية إطلاق صاروخ العابد العابر للفضاء في فجر صباح ذلك اليوم والوقوف على دلالات ومعاني وأغراض اطلاق صاروخ العابد ، كان إطلاق الصاروخ على حد قول البعض تجاوزا للخطوط الحمراء المرسومة للعراق، وكان الأستاذ نزار حمدون الذي يتكلم اللغات الإنكليزية والفرنسية متمرسا في المقابلات الدبلوماسية والصحفية يرد على كل الاسئلة … وفي هذه الأثناء جاء إلى الفندق مسؤولا من الخارجية التركية يطلب من الوفد العراقي الحضور إلى مبنى وزارة الخارجية التركية بشكل عاجل الأمر الذي أدى إلى تأخير رحلة المغادرة، وعند دخول الوفد إلى قاعة الاجتماعات في الخارجية التركية سألونا انتم ماذا تريدون قلنا إننا كنا نتفاوض مدة يومين لغرض الحصول على نسبة 500 متر مكعب في الثانية من المياه إلى نهر الفرات والان تسألون ماذ تريدون قالوا نحن موافقون على ذلك ووقع اتفاقا بذلك ثم تم التوقيع لاحقا مع الجانب السوري على إعطاء نسبة 48% من المياه لسوريا 52% للعراق من النسبة أعلاه ولازالت النسبة أعلاه سارية والاتفاقية مخزونة في ارشيف الدائرة القانونية في وزارة الخارجية العراقية
العبرة في ذلك إن السيادة وقوة الدولة والسيادة كان لها تأثير واضح في التوصل إلى اتفاق مع الجانب التركي لأن السيادة تعبير عن العزة والكرامة للشعوب وهي عزتها ورفعتها والبلد الذي ليس له سيادة لا قيمة ولا شرف له مع العرض إن السيادة في العصر الحديث لم تعد مطلقة فهي مقيدة بقواعد القانون الدولي…




























