بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
في عالم تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه الخيوط السياسية، تقف طهران كما يقف لاعب شطرنج على رقعة تلتهمها النيران، محاصراً بين الملك والجنرال. لم تعد الخيارات مفتوحة، ولم تعد المراوغات مجدية. إننا لا نشهد لحظة عابرة في تاريخ الشرق الأوسط، بل نعايش فصلاً مفصلياً من حكاية طالت أكثر مما ينبغي، وباتت نهايتها وشيكة، بل محتومة.
لم يعد خافياً على العارفين بتفاصيل اللعبة الدولية، أن النظام الإيراني يواجه اليوم مرحلة حرجة من تاريخه، وكأنما يقف على حافة الهاوية، ينتظر مصيراً تأجل طويلاً. نظامٌ استنفد أوراقه، وفقد مبررات وجوده، وها هو الآن يواجه واقعه عارياً من كل غطاء شرعي أو أخلاقي.
لقد بنى النظام الإيراني ركائز بقائه على سياسات التمدد والتدخل في شؤون الآخرين، لا على تنمية الداخل أو بناء دولة مؤسسات. وسعت طهران، منذ عقود، إلى امتلاك القنبلة النووية لا بدافع الردع كما تزعم، بل لتحقيق هيمنة إقليمية تُبقي المنطقة رهينة طموحاتها غير المشروعة. وفي ظل مراقبة دولية صارمة، لم تعد تلك الطموحات خفية، بل صارت عبئاً ثقيلاً على أمن الشرق الأوسط واستقراره.
اليوم، تعود المفاوضات بين طهران وواشنطن إلى الواجهة. لكنها ليست أكثر من رقصة دبلوماسية على إيقاع الانهيار المحتوم. فالإدارة الأمريكية، وإن كانت لا ترغب في حرب جديدة، تدرك في قرارة سياستها أن طريق التفاهم مع نظام الملالي مسدود، وأن العمل العسكري قد يكون آخر الخيارات لكنّه الأكثر فاعلية.
البيت الأبيض، بخبرته الطويلة، لا يفاوض لمجرد التفاوض. إنه يرسم خارطة شرعية لأي خطوة قادمة، ويحشد الدعم المحلي والدولي لقرار قد يكون صاخباً. أما طهران، فتلعب على حافة السكين. تناور، تماطل، تحاول كسب الوقت، لكنها تدرك أن هوامش المناورة تضيق، وأن خياراتها تتآكل يوماً بعد يوم.
الملف النووي ليس إلا رأس جبل الجليد. فشروط واشنطن تتجاوز المفاعلات والصواريخ، لتطال النفوذ الإقليمي الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وكل هذه الامتدادات، المرتبطة مباشرة ببقاء النظام، لن تُنتزع دون ثمنٍ باهظ.
النظام الإيراني يعلم يقيناً أن التخلي عن مشروعه النووي وبرنامجه الصاروخي وميليشياته المنتشرة كالأخطبوط، يعني تفكك بنيته من الداخل. لكنه في الوقت ذاته، يعلم أن رفض هذه الشروط سيُترجم إلى ضربات عسكرية حاسمة، قد لا تصيب المفاعلات فقط، بل تطال صلب النظام ذاته.
نحن أمام مشهد بالغ التعقيد، لكنه واضح النهايات. إنها مفاوضات تُستخدم لتثبيت الشرعية لا لتحقيق التسويات. والمآلات باتت أقرب من أي وقت مضى.
الخاتمة:
في هذا السياق المضطرب، لم يعد سؤال “هل يسقط النظام الإيراني؟” مطروحاً، بل متى وكيف. فالعالم لم يعد قادراً على التعايش مع كيانٍ يستمد وجوده من الفوضى، ويتنفس من رئة الصراعات. وكل المؤشرات تؤكد أن ساعة الحسم تقترب، وأن مسرح الأحداث يستعد لرفع الستار عن فصل الختام. وما من شك أن النظام الإيراني، الذي عاش على حافة النار، سيحترق بنار سياساته. وها هو الزمن يكتب ما تبقى من صفحاته الأخيرة… لتكون النهاية منطقاً قبل أن تكون قدراً.





























