بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
السيد دونالد ترامب،
في عام 2003، اجتاحت الولايات المتحدة العراق تحت شعار “تحريره من الدكتاتورية“، ونزع سلاحه الكيميائي، لكن ما حدث بعد ذلك كان عكس ما زُعم. فلا وجود لأسلحة كيميائية ولم يحصل العراقيون على الديمقراطية، لقد تحطم العراق، وانهارت مؤسسات الدولة، وحُلّ الجيش والأجهزة الأمنية، وسُلّم العراق على طبق من ذهب إلى المليشيات العميلة لإيران، وهي نفس الجماعات التي حاربت العراق إلى جانب الجيش والحرس الثوري الإيراني خلال الحرب الإيرانية-العراقية، والتي عجزت إيران عن طريقها من تحقيق أي نصر في ميدان القتال.
ثماني سنوات من الحرب لم تتمكن إيران من احتلال العراق، ولكن الغزو الأمريكي فعل ذلك وسلم العراق لإيران خلال أسابيع. لقد دُمر النسيج الاجتماعي، وتفككت الهوية الوطنية، وتحوّل العراق من دولة ذات سيادة إلى ساحة تتنازعها أجندات دولية وإقليمية، في مقدمتها إيران، التي بسطت نفوذها على مقدرات العراق عبر وكلائها المحليين.
عراق ما بعد الاحتلال: دولة منهارة:
لقد جلب الاحتلال الأمريكي والتغلغل الإيراني للعراق دماراً شاملاً لم يقتصر على البنى التحتية، بل امتد إلى الإنسان العراقي. اغتيالات ممنهجة طالت العقول والكفاءات، مئات الآلاف من القتلى، ملايين المهجرين، ومدن بأكملها سُوّيت بالأرض. الطائفية التي كانت شبه غائبة قبل الاحتلال، تحولت إلى أداة تقسيم ودمار، استخدمتها القوى التي صعدت إلى السلطة بفضل واشنطن وإيران.
أما الفساد، فقد أصبح العراق نموذجاً عالمياً له، حيث يتصدر القوائم الدولية للدول الأكثر فساداً، بعدما نُهبت ثرواته على أيدي الأحزاب والمليشيات التي أوجدتها أمريكا وسلّمتها السلطة. الانتخابات التي تدعي الولايات المتحدة دعمها ليست أكثر من مسرحية، حيث لا يصعد إلى الحكم إلا من توافق عليه طهران، بدءاً من رئيس الجمهورية، ومروراً برئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، وانتهاءً برئيسي مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية.
وتحول القضاء إلى أداة في يد الفاسدين، حيث يُسجن الأبرياء ويُطلق سراح المجرمين، ولا يٌحاسب القتلة الذين يقفون وراء اغتيال الناشطين والمتظاهرين الذين خرجوا للمطالبة بوطن خالي من الفساد ومستقل عن الهيمنة الإيرانية.
العراق اليوم: دولة بلا سيادة:
بعد أكثر من عقدين على الغزو، لم يعد العراق دولة بالمعنى الحقيقي. المليشيات المسلحة هي الحاكم الفعلي، وهي لا تخضع للدولة، بل تفرض إرادتها بقوة السلاح. أما الاقتصاد، فقد انهار، والخدمات الأساسية شبه معدومة، والبنى التحتية مدمرة. أصبح العراق نموذجاً للفشل، رغم أنه بلد يطفو على بحر من النفط، ويمتلك من الموارد والثروات البشرية ما يؤهله ليكون من أقوى دول المنطقة، ولكنه بلدٌ يحكمه الفاسدون.
رسالتنا إليك يا ترامب:
أنا لا ألومك على ما فعله جورج بوش الابن، لكنك كنت رئيساً للولايات المتحدة، ورأيت ما حلّ بالعراق، ولم تفعل شيئاً لتصحيح هذا الخطأ التاريخي. بل إن السياسات الأمريكية استمرت في دعم الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكم العراق اليوم، وترفض أي تغيير قد يعيد لهذا البلد سيادته وكرامته، وها انت ياسيد ترامب تعود إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض وتحمل في جعبتك شعارات التغيير لتحقيق الاستقرار والازدهار، فهل سيكون العراق الذي دمره جورج بوش ضمن اجندتك في فترة حكمك الأخيرة، وتصلح ما تم افساده.
وكما تعلم يا سيد ترامب فالشعب العراقي لم يستسلم، وقد انتفض أكثر من مرة، لكنه قوبل بالرصاص الحي، والاغتيالات، والتنكيل على يد المليشيات الموالية لإيران، وكل ذلك تحت أنظار الحكومة العراقية والعالم أجمع.
السيد ترامب؛
العراق اليوم في خطر، ويكاد يلفظ انفاسه الأخيرة، وليس هناك من يدافع عنه. إذا كانت الولايات المتحدة قد ارتكبت خطأً كارثياً في 2003، فالمسؤولية الأخلاقية تفرض عليها تصحيح هذا المسار، لا أن تستمر في دعم نظام فاسد يسرق العراقيين ويمارس القمع ضدهم، ويتخندق في محور إيران المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط والعالم أجمع.
لقد تعب العراقيون من الوعود، ومن المؤامرات، ومن أن يكونوا ساحة للصراعات الدولية، ومن أن تنهب ثرواتهم من الفاسدين عملاء إيران، فهل ستتحرك الولايات المتحدة لإنصاف العراق؟ أم أن مصير هذا البلد سيبقى مرهوناً بالمصالح السياسية والاقتصادية التي لا تأبه لمعاناة شعبه؟
العراق لا يستحق هذا المصير.





























