بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
في توقيت بالغ الحساسية من عمر الشرق الأوسط ، يتقاطع المشهد الدولي والإقليمي عند نقطة حرجة تتمثل في الصراع المحتدم حول النفوذ الإيراني وبرنامج طهران النووي وفي هذا السياق، يأتي التعبير المجازي “موسكو تحمل غصن الزيتون الأخير لإيران” ليلخص ذروة المساعي الدبلوماسية الروسية لاحتواء أزمة قد تعيد تشكيل توازنات القوى العالمية، بينما تبرز تحذيرات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كجدار صد صارم يرفض أي تسويات لا تضمن تفكيك التهديد الإيراني من جذوره.
نقدم في هذا المقال تحليلاً لأبعاد هذا التموضع السياسي، وخلفيات الوساطة الروسية، وتداعيات التحذير الإسرائيلي على مستقبل المنطقة.
أولاً: “غصن الزيتون” الروسي.. كواليس المبادرة الأخيرة وطبيعتها
لطالما نظرت روسيا إلى إيران كحليف استراتيجي وشريك حيوي في مواجهة النفوذ الغربي، لا سيما في ملفات حيوية مثل الأزمة السورية وحروب الطاقة ومع ذلك، فإن وصول الأمور إلى حافة الصدام العسكري المباشر والمفتوح في الشرق الأوسط لا يخدم المصالح الروسية الحالية، بل قد يشتت جهود موسكو الدبلوماسية والعسكرية.
المبادرة الروسية الأخيرة، التي وُصفت بـ “غصن الزيتون”، لا تتحرك من منطلق الوساطة المحايدة، بل من موقع الحليف الحريص على حماية مصالحه ومصالح شريكه عبر خطوتين أساسيتين:
- إنقاذ الملف النووي: تضغط موسكو بكل ثقلها الدبلوماسي لمنع طهران من اتخاذ خطوة كارثية بالانسحاب من معاهدة انتشار الاسلحة النووية وترى روسيا ، أن أي انهيار كامل لهذه المعاهدة سيمنح الغرب مبرراً قانونياً ودولياً لشن حملة عسكرية واسعة ضد المنشآت الإيرانية.
- العرض اللوجستي الحاسم: تقدمت موسكو بمقترح استراتيجي يقضي بنقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب من إيران إلى الأراضي الروسية وهذا العرض يمثل المخرج الدبلوماسي الأخير (غصن الزيتون) الذي تحمله موسكو لطهران؛ فهو يحمي إيران من ضربة وشيكة، ويحافظ على هيكلية برنامجها للاستخدام السلمي تحت إشراف روسي، وفي ذات الوقت ينزع فتيل الذريعة الدولية المباشرة للتصعيد.
- ثانياً: تحذيرات نتنياهو.. لاءات إسرائيلية حاسمة
على الجانب الآخر، يرى بنيامين نتنياهو في هذا التحرك الروسي محاولة لمنح طهران “طوق نجاة” يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها وتتلخص التحذيرات الإسرائيلية في النقاط التالية:
- رفض أنصاف الحلول: ترى إسرائيل أن نقل اليورانيوم المخصب أو تجميد الأنشطة مؤقتاً هو مجرد ترحيل للمشكلة. فالقدرات التكنولوجية والمعرفية لإنتاج السلاح النووي باتت بحوزة العلماء الإيرانيين، وموسكو برأيها تقدم غطاءً سياسياً يمنح إيران الوقت لإعادة التموضع.
- الخطوط الحمراء العسكرية: جاء تحذير نتنياهو المباشر لروسيا وإيران معاً، ليؤكد أن إسرائيل لن تتردد في توجيه “ضربات استباقية” قاصمة، بغض النظر عن أي وساطات دولية. فالهدف الاستراتيجي الحالي لتل أبيب يتجاوز الملف النووي إلى تقويض ما تسميه “أذرع الأخطبوط الإيراني” بالكامل وإسقاط طموحات طهران الإقليمية.
- التوجس من التعاون الروسي الإيراني: تبدي إسرائيل قلقاً بالغاً من التقارير الاستخباراتية التي تتحدث عن تزويد موسكو لطهران بأنظمة دفاع جوي متطورة أو تقنيات صاروخية كجزء من مقايضة سياسية، وتعتبر تل أبيب وأن هذا التعاون يخل بالتوازن العسكري ويمثل تهديداً مباشراً لحرية حركة سلاح جوها في المنطقة.
ثالثاً: المآلات والسيناريوهات المتوقعة
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مسارين لا ثالث لهما، يحددهما مدى تجاوب طهران مع غصن الزيتون الروسي، ومدى جدية نتنياهو في تنفيذ تهديداته:
- سيناريو التسوية المؤقتة (نجاح الوساطة): أن تقبل إيران العرض الروسي بنقل المخزون المخصب مقابل ضمانات أمنية واقتصادية روسية صينية، وتخفيف جزئي للضغط الدولي وهذا السيناريو قد يؤجل الانفجار العسكري، لكنه سيبقي المنطقة في حالة من التوتر البارد، وسط عدم رضا إسرائيلي مكتوم.
- سيناريو الانفجار الشامل (فشل الوساطة): أن ترفض طهران تقديم أي تنازلات جوهرية في ملفها النووي ظناً منها أن التحالف مع روسيا يحميها تلقائياً ، في هذه الحالة، سيتلاشى غصن الزيتون الروسي، لتجد إسرائيل نفسها مدفوعة لتنفيذ وعيد نتنياهو بشن ضربات استباقية واسعة النطاق بدعم أو ضوء أخضر أمريكي، ما قد يشعل حرباً إقليمية مفتوحة تتداخل فيها القوى العظمى.
الخلاصة:
إن عبارة “موسكو تحمل غصن الزيتون الأخير لإيران ونتنياهو يحذرها” تختصر مشهداً تتبادل فيه الدبلوماسية الخشنة والتهديدات العسكرية الأدوار ، رغم أن روسيا تحاول جاهدة نزع فتيل الأزمة عبر حلول وسطى، إلا أن إصرار إسرائيل على إنهاء التهديد الإيراني بشكل جذري يجعل الهامش المناور أمام طهران ضيقاً للغاية ، ان الساعات والأيام القادمة كفيلة بتحديد ما إذا كان غصن الزيتون الروسي سيثمر سلاماً مؤقتاً، أم أن رياح التحذيرات الإسرائيلية ستعصف به لتفتح الباب أمام لغة الحديد والنار ، ولهذا تتحرك روسيا مع إيران بمنطق “الشراكة البراغماتية المشروطة”؛ فبينما تقدم موسكو لطهران حبل النجاة التكنولوجي والسياسي، فإنها تحتفظ بجميع مفاتيح هذا الدعم وإذا استشعرت موسكو أن طهران تتجه نحو تصعيد غير محسوب يهدد مصالح روسيا الحيوية أو علاقاتها مع القوى الأخرى (مثل واشنطن ترامب)، فإنها قد تلجأ إلى المناورة بهذه الأوراق ، سواءً عبر إبطاء التسليح أو الضغط في الملف النووي لفرض شروط التهدئة على صانع القرار في طهران.























