بقلم: الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح.
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي.
في الأردن، جرى بناء ثروة صحية على مدى عقود من دون أن تدرج دائما بهذه الصفة في الحساب الاقتصادي. أطباء اكتسبوا خبرات في تخصصات دقيقة، مستشفيات راكمت سمعة تتجاوز الحدود، جامعات تخرج كفاءات تنافس عالميا وقطاع علاجي استطاع أن يستقطب مئات الآلاف من المرضى من الخارج. هذه ليست خدمات متفرقة إنها رأس مال وطني.
المشكلة ليست في غياب هذا الرصيد وإنما في أن أجزاءه لا تزال تعمل منفصلة وحين لا تتصل الخبرة الطبية بالبحث، ولا المستشفى بالتكنولوجيا، ولا السياحة العلاجية بالصناعات والخدمات التي تحيط بها ضمن نسق إحترافي يبقى جزء كبير من القيمة خارج الحساب الاقتصادي.
بلغت حصة الإنفاق الصحي الجاري في الأردن 7.66% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، وفق بيانات البنك الدولي ومع هذا الحجم، لم يعد ممكنا النظر إلى كفاءة القطاع الصحي باعتبارها قضية تخص وزارة الصحة وحدها كل دينار يهدر في رحلة علاج غير فعالة هو مورد اقتصادي ضائع وكل وقت ينتظر فيه المريض بلا ضرورة هو إنتاجية مفقودة وكل معلومة طبية لا تصل إلى الطبيب في الوقت المناسب قد تعني فحصا مكررا وكلفة إضافية.
لهذا تبدأ المسألة من إدارة ما نملك بكفاءة أعلى.
و الأردن قد قطع بالفعل مسافة مهمة في الرقمنة الصحية إذ بلغ عدد المنشآت الصحية الحكومية المدرجة ضمن نظام «حكيم» 276 منشأة في 2024.
كما ارتبط مركز الصحة الرقمية بـ12 مستشفى حكوميا وثلاثة مراكز صحية وسجل منذ افتتاحه في يوليو 2025 أكثر من 29 ألف تقرير أشعة عن بعد وأكثر من 19 ألف جلسة غسيل كلى، وأكثر من 900 حالة تمت متابعتها رقميا.
لكن الرقم الأهم ليس عدد المنشآت المحوسبة بل مقدار التغيير الذي تحدثه هذه البنية في طريقة عمل النظام.
حين يعرف الطبيب تاريخ المريض دون إعادة بناء ملفه وحين توزع الأسرة وفق الحاجة الفعلية وتراقب الأمراض المزمنة من المنزل وتتوقع احتياجات الأدوية والطوارئ قبل تفاقمها تصبح البيانات جزءا من الإنتاجية الوطنية لا محالة .
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي ذا معنى اقتصادي حقيقي له أثر ملموس ليس لأنه تقنية متقدمة وإنما لأنه يستطيع أن يجعل نظاما صحيا محدود الموارد أكثر قدرة على التنبؤ واتخاذ القرار لكن هذه القيمة لن تتحقق إلا إذا سبقتها قواعد صارمة للخصوصية وأمن البيانات والمساءلة الطبية ومراجعة النماذج.
في الصحة الثقة ليست شرطا أخلاقيا فقط إنها أصل اقتصادي.
وتظهر القيمة بوضوح أكبر في السياحة العلاجية فقد استقبل الأردن أكثر من 235 ألف مريض وافد خلال 2025، بزيادة تقارب 5% عن العام السابق وفق البيانات الرسمية.
المهم في هذا الرقم ليس عدد المرضى وإنما الاقتصاد الذي يتحرك معهم المريض الوافد يحتاج إلى تشخيص وعلاج لكنه يحتاج أيضا إلى نقل وإقامة وتأمين وأدوية وخدمات مساندة وغالبا إلى مرافق وكل خدمة إضافية يمكن تنظيمها داخل الأردن تعني قيمة اقتصادية جديدة.
لهذا فإن المنافسة المقبلة لن تكون على سرير المستشفى فقط وإنما على الرحلة الصحية كاملة تقييم طبي رقمي قبل السفر اختيار الطبيب والمنشأة تقدير التكلفة ترتيب الإقامة والنقل ثم متابعة المريض بعد عودته إلى بلده عندها تتحول السياحة العلاجية من تدفق مرضى إلى صادرات خدمات صحية متكاملة.
لكن الفرصة الأبعد تقع في مكان آخر تشير بيانات قطاعية حديثة إلى أن نحو 75% من سوق الأجهزة الطبية في الأردن يعتمد على الواردات، وهو ما يكشف اعتمادا خارجيا لكنه يكشف في الوقت نفسه سوقا حقيقية أمام الصناعة المحلية.
ليس من الضروري أن ينافس الأردن في كل الأجهزة الطبية الأذكى، بل أن يركز على المجالات التي يمتلك فيها ميزة بشرية وسوقا قابلة للتوسع البرمجيات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني الصحي، الأجهزة المتصلة، الرعاية المنزلية، وتحليل البيانات.
ميزة الأردن هنا أن لديه مختبره الطبيعي داخل قطاعه الصحي نفسه. الشركة الناشئة تستطيع أن تطور حلا لمشكلة يواجهها مستشفى أردني تختبره محليا ثم تبيعه في سوق عربية تواجه المشكلة ذاتها وهكذا يصبح المستشفى بوابة لصناعة تقنية لا نهاية لسلسلة الإنفاق.
والأمر نفسه ينطبق على الاستثمار خارج العاصمة فالاستثمار الخاص البالغ نحو 88 مليون دينار في مشروع المستشفى الجديد في مادبا يمكن أن يكون أكثر من إضافة إلى البنية الصحية إذ يخلق حوله طلبا على الوظائف والخدمات والتوريد والتدريب والنقل والتقنية الاستثمار الصحي حين يرتبط بالتنمية المحلية يستطيع أن يصبح أحد أدوات توزيع النشاط الاقتصادي جغرافيا
ما يحتاجه الأردن إذا ليس مستشفى آخر بمعزل عن المنظومة ولا منصة رقمية جديدة لمجرد تسجيل إنجاز تقني المطلوب هو اقتصاد صحي مترابط المستشفى سوقا واعدا للابتكار والجامعة مصدرا للبحث والتطوير والبيانات أساسا للقرار والشركة الناشئة ذراعا للتصدير والسياحة العلاجية قناة لجلب العملة الصعبة والخدمات والاستثمار الصحي محركا للتنمية المحلية.
لقد قطع الأردن طريقا طويلا لبناء هذه المزايا والخطوة الاقتصادية الأكثر ذكاء الآن هي ألا يكتفي بعوائدها الخدمية.
فالبلد الذي استطاع أن يصنع الثقة الطبية يستطيع أن يصنع حولها صناعة رائدة في المنطقة .
عندها تصبح الخبرة الطبية الأردنية معرفة قابلة للتصدير والتكنولوجيا الصحية منتجا أردنيا منافسا والبيانات أداة لرفع الإنتاجية والسياحة العلاجية صناعة متكاملة وداعمة وبذلك تتغير مكانة الصحة في الاقتصاد الوطني بالكامل.
عندها لن تكون الصحة بندا يستهلك من الناتج المحلي فحسب ستكون أحد الأصول التي تسهم في إنتاجه.
الأردن يحتاج إلى بناء منظومة الاقتصاد الصحي وليس مجرد تطوير القطاع الصحي.























