بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يغيب عن المكون السني في العراق وجود مرجعية دينية مركزية أو زعامة سياسية موحدة تشبه نموذج “المرجعية الدينية” لدى الشيعة، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب بنيوية وتاريخية وسياسية تتمثل بطبيعة الفكر الديني السني اللامركزية ، على اعتبار ان الفقه السني لا يتبنى مفهوم “المرجعية التقليدية” الملزمة أو الهرمية الإدارية الواحدة (مثل النجف أو قم)، بل يعتمد على تعدد المدارس الفقهية والمؤسسات والعلماء دون وجود مرجع أعلى أو ناطق رسمي باسم المذهب وغياب المؤسسة التراتبية لافتقارهم إلى هيكل تنظيمي أو مرجعي ديني هرمي، فكل عالم أو داعية أو جماعة يمثل نفسه أو تياره، ولا يوجد إجماع على شخصية دينية واحدة تتبعها الجماهير كمرجع إلزامي ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار التشظي السياسي القائم على تعدد القيادات وانخرط السياسيون السنة في أحزاب وتيارات متعددة ومتنافسة (مثل الحزب الإسلامي وغيره) ما أدى إلى صراع الزعامات وغياب قائد سياسي موحد يمثل القرار السني ، ناهيك عن تعدد المشارب الفكرية التي توزعت بين الشارع السني (تيارات صوفية، وسلفية، وإخوانية، ومستقلة)، فضلاً عن علماء الدين التقليديين التي لا يجمعها تنظيم واحد، وقد ينظر بعضها إلى بعض بعين الحذر أو الاختلاف الفكري العميق، ما يمنع توحيد الموقف ، فيما انفردت هيئة علماء المسلمين في العراق التي تأسست عام 2003 بقيادة الراحل حارث الضاري، وضمت طيفاً من علماء الدين السنة ، التي تمثلت راديكاليتها السياسية في الرفض المطلق للعملية السياسية، ومقاطعة الانتخابات وكتابة الدستور، واعتراضها على شرعية الحكومات المتعاقبة، معتبرة إياها نتاجاً للاحتلالين الأمريكي والإيراني ، على الرغم من بروز جهات اخرى مثل “المجمع الفقهي العراقي” التي لعبت دوراً إفتائياً واجتماعياً مقبولاً، إلا أنها لم تتحول إلى مرجعية سياسية أو قيادية مؤثرة تفرض قراراً أو توحيداً كاملاً للشارع.
مكامن الخلل ومفاتيح الاصلاح لمستقبل السنة
شخّصت القراءات التحليلية التي قدمها عدد من الكتاب والباحثين المنصفين أزمة المسلمين (المكون السني في العراق ) بعد احتلال العراق عام 2003 واصفين إياها بأزمة هيكلية وتشتت إستراتيجي. غير أن الانتقال من مرحلة ((التشخيص)) إلى مرحلة ((العلاج)) يتطلب مكاشفة أعمق فالقضية اليوم ليست مجرد غياب للمرجعية التقليدية بل هي أزمة تمثيل حادة اختُطف فيها قرار الأغلبية الساحقة من مسلمي سنة العراق (حيث يشكل السنة نحو 56% من مسلمي البلاد ، عدا المسلمين في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وفقاً للمعطيات الجغرافية والديموغرافية التاريخية) لصالح ثلة من الفاسدين ومرتزقة السياسة والسلطة وتجار المكونات الذين أثروا وثخنت اموالهم على حساب تهميش المجتمعات التي يفترض نظرياً انهم يمثلونها؟!
يُجمع العديد من المفكرين والسياسيين والمراقبين للمشهد العراقي على أن أزمة المكون السني بعد عام 2003 ليست أزمة وجود، بل هي أزمة إدارة وتشتت ، تبدأ بغياب “المشروع الموحد” والوقوع في ردود الأفعال وافتقار المشهد السني إلى استراتيجية سياسية واضحة بعيدة المدى والتأرجح التاريخي بين “المقاطعة الشاملة” للدولة ثم “الانخراط غير المشروط” الأمر الذي نتج عنه فيها شخصنة القيادة وصراع الزعامات وليس حول مؤسسات وبرامج لتغليب المصالح والشراكات الحزبية والشخصية الضيقة على المصلحة العامة للمكون والمحافظات ، قد أسم الى تشتت القرار السياسي بين مراكز قوى متعددة (صراع نفوذ بين الأنبار، نينوى، صلاح الدين، وبغداد) لاستغلال الثقل العشائري في التنافس السياسي الانتخابي بدلاً من توظيفه كعامل تماسك اجتماعي.
أزمة التمثيل.. كيف صعد التجار لتمثيل المكون الأكبر؟!
لقد أنتج النظام السياسي المعوق بعد عام 2003 معادلة مشوهة اعتمدت على المحاصصة الطائفية البذيئة وبدلاً من أن تُفرز هذه المعادلة قيادات حقيقية تحمل هموم الشارع المسلم (السني ) الأكبر أفرزت طبقة نفعية وظفت شعارات المظلومية والتهجير لتبادل الأدوار والمناصب في بغداد والإثراء على حسابهم ؟!
هؤلاء السياسيون الذين امتلأت جيوبهم بالمال الحرام وعقود المقاولات الفاسدة استغلوا غياب المرجعية الهرمية الملزمة لدى المسلمين السنة وغياب الداعم الإقليمي المؤسساتي (على غرار الدعم الإيراني المنظم والممنهج للطرف الآخر) ليتحولوا إلى وكلاء محليين لأجندات خارجية وصراعات إقليمية دفع ثمنها المواطن البسيط نزوحاً وتهميشاً وتغييباً.
التأثر السلبي بالمحاور الإقليمية
يرى العديد من المراقبين والمواطنين السنّة في العراق أن هناك تفاوتاً كبيراً في آليات وطبيعة الدعم الإقليمي الذي حظيت به المكونات العراقية بعد عام 2003 وبمعنى ادق انها لم تحسن الاختيار الصحيح لدعم الشخصيات السياسية والدينية على حد سواء والتي فسرت فيما بعد ، انها كانت حبيسة الاملاءات الخارجية الغربية التي لاتريد احداث التوازن داخل العملية السياسية تحت ذريعة مقاومة الاحتلال ، يضاف الى ذلك ان اغلب الدول العربية لم تكن على مستوى المسؤولية المطلوب لدور السنة كما فعلت ايران للمكون الشيعي وهي واحدة من أكثر النقاط جدلاً وتحليلاً في المشهد السياسي العراقي والعربي ، الذي اتسم في العقد الأول بعد 2003 بالانكفاء ومقاطعة النظام السياسي الجديد في بغداد، لاعتباره خاضعاً للنفوذ الإيراني وعندما بدأت الدول العربية بالتدخل، جاء دعمها مجزأً ، حيث دعمت دول عربية أطرافاً سنية مختلفة ومتنافسة بناءً على مصالح تلك الدول الحزبية أو الإقليمية، ما عمّق التشرذم السني بدلاً من توحيده وهذا ما جعل المكون السني يدفع فاتورة باهضة على كافة المستويات ، فيما فسر اخرون ان الضعف العربي هو مزيج بين جهلهم لما يحصل في العراق وبين ابقاءه ضعيفاً ومريضاً لحسابات مستقبلية استراتيجية.
الفارق في “الاستراتيجية وآليات الدعم“
تعاملت إيران مع المشهد العراقي عبر استراتيجية موحدة ومؤسساتية طويلة المدى (أمنياً، وسياسياً، واقتصادياً، وثقافياً). فلم يقتصر دعمها على تيار واحد، بل شمل مأسسة الفصائل والأحزاب الشيعية وتوحيدها في تحالفات كبرى عند المنعطفات السياسية الحاسمة، مما منح المكون الشيعي مركزية وقوة تفاوضية عالية التي باتت تعرف بـ”المأسسة العميقة” حيث وجدت إيران في الهيكل الديني الشيعي (القائم على التقليد والتراتبية الحوزوية والمشاعر المذهبية العابرة للحدود) أرضية خصبة لبناء نفوذ منظم وموجه عقائدياً وسياسياً وقد نجحت في استنساخ ونقل “نظام ولائي عقائدي عابر للحدود“ إلى الساحة الشيعية العراقية، وتصدير الثورة عبر فيلق القدس ، على اعتباران هذا النظام لا يخلق تحالفات سياسية مؤقتة، بل يصنع “عقيدة ولائية” تصبح فيها مصلحة المشروع الإيراني جُزءاً من التكليف الشرعي للأفراد والفصائل وبالتالي، يتحرك الحليف الشيعي الولائي بدافع عقائدي داخلي ومنظم للغاية ، ولم تكتفِ إيران بالسياسيين، بل أسست فصائل مسلحة منظمة ومؤدلجة، ثم قامت بـ”مأسستها” لاحقاً عبر دمجها في هيكل الدولة (مثل هيئة الحشد الشعبي)، ما جعل نفوذ حلفائها محمياً بقوة السلاح والقانون معاً.
في حين تعاملت الدول العربية مع الساحة السنية بأدوات “دبلوماسية تقليدية أو دعم مالي مشتت“ كونها لا تملك “مشروعاً أيديولوجياً سُنياً عابراً للحدود” لتقديمه ، بل اقتصر دعمها للسنة على دعم أشخاص أو أحزاب لغرض التوازن السياسي داخل البرلمان، وهو ولاء مصلحي متقلب يزول بزوال الدعم المالي أو تغير الشخوص، ولا يصنع التزاماً عقائدياً صلباً ، لذلك اقتصر الدعم العربي تاريخياً على رعاية مؤتمرات سياسية وشخصيات تكنوقراطية أو عشائرية، وهي قيادات تفتقر إلى التنظيم على الأرض أو أجنحة تحمي وجودها، ما جعلها عرضة للإقصاء بسهولة عند أي صدام سياسي أو أمني في بغداد.
خارطة الطريق لاستعادة الحضور والقيادة
للانتقال بالمكون الإسلامي السني الأكبر في العراق من حالة الانكفاء وردود الأفعال غير الدقيقة إلى حالة الفعل والقيادة الشريكة الفاعلة يجب العمل وفق مسارات إستراتيجية متوازية تتجاوز صراعات الأشخاص المنتفعين نحو بناء المؤسسات:
- ثورة النزاهة والإطاحة بالوجوه المستهلكة (الفرز السياسي)…. فلا يمكن بناء مستقبل جديد بأدوات الماضي الفاشلة. إن
أولى خطوات الإصلاح تبدأ بـ:
أ. مقاطعة النخب الفاسدة شعبياً: وتعرية الشخصيات التي ثبت تورطها بصفقات الفساد أو المساومة على حقوق المناطق
المحررة.
ب- تصدير وجوه تكنوقراطية شابة:رعاية ودعم جيل جديد من الأكاديميين والقانونيين والإداريين النزهاء لإدارة المؤسسات
المحلية والبلدية والتمهيد لصعودهم نحو القرار الوطني.
- مأسسة الساحة المسلمة السُّنية (بديل المرجعية التقليدية)
بما أن طبيعة الفكر السني يقوم على اللامركزية فإن البديل عن العمامة الواحدة هو المؤسسات التخصصية الجماعية مثل:-
- تأسيس المجلس الإستراتيجي الأعلى: وهو مجلس يضم كبار الأكاديميين ورجال الأعمال النزهاء والفقهاء الحقيقيين وشيوخ العشائر الوطنيين تكون مهمته رسم السياسات العامة الموحدة وفرضها كأجندة تفاوضية غير قابلة للمساومة.
- دعم وتطوير المجمع الفقهي العراقي كمؤسسة إفتائية واجتماعية وتوسيع نفوذها التنموي والتعليمي لملء الفراغ الروحي والاجتماعي وحماية المساجد من التسييس الحزبي.
- التمكين الاقتصادي وبناء الكتلة التنموية الحرّة … معروف ان السياسة بلا اقتصاد قوي هي مجرد خطابات فارغة وجوفاء.
- إن استعادة القرار الوطني العراقي تتطلب تحريراً للمجتمع من الارتهان للوظيفة الحكومية الخاضعة للمساومات الطائفية من خلال:
أ. جذب رؤوس الأموال والمغتربين:تشجيع المستثمرين ورجال الأعمال العراقيين في الخارج على الاستثمار المباشر في
المحافظات (السنية ) لخلق فرص عمل حقيقية وتنشيط القطاع الخاص.
ب . حوكمة إعمار المناطق المحررة:بتشكيل مجالس رقابة شعبية وأكاديمية لمتابعة مشاريع الإعمار ومنع وإبعاد الفاسدين
من تحويل هذه المشاريع إلى أدوات للدعاية الانتخابية أو لسرقة المال العام.
ت. اختراق مؤسسات الدولة العميقة (التكنوقراط بدلاً من الوزارات الهامشية)
لقد ركز السياسيون الفاسدون على الوزارات الخدمية المؤقتة والمناصب السيادية الاستعراضية لجني المكاسب الإستراتيجية البديلة تتطلب التركيز على التواجد في الهياكل الإدارية المستدامة:الدفع بالكفاءات السنية لشغل مناصب المدراء العامين، والمستشارين، والوكلاء في وزارات التخطيط والمالية والخارجية والتعليم والأجهزة الأمنية ، على عكس التواجد التكنوقراطي الوطني النظيف الذي يصنع توازن الدولة الحقيقي وحمايتها من الانفراد.
- التحالف الوطني العابر للمكونات (الاشتباك الذكي)…. معروف ان التقوقع الطائفي يكرس العزلة والضعف. الأغلبية السنية الحقيقية يجب أن تتصرف بوصفها الشريك القائد لإنقاذ العراق كله وليس كطائفة رئيسية تطالب بحقوقها فحسب من خلال بناء تحالفات وطنية عابرة:مد الجسور مع القوى الوطنية والمدنية وحركات التغيير في الوسط والجنوب و والشمال والتي تشترك في هدف واحد في محاربة الفساد وإنهاء السلاح المنفلت واستعادة هيبة الدولة وسلطة القانون.
كيف يمكن إعادة الحضور والفاعلية للسنة في العراق؟
لإعادة الفاعلية للمسلمين (للمكون السني ) باعتباره الركيزة الأساسية والعمق في هوية العراق وتاريخه سابقاً وحالياً والاهم مستقبلاً لا بد من تجاوز البكاء على الأطلال والتحرك وفق اعتماد الإستراتيجية البديلة التي تقوم على الآتي:
- الانتقال من الزعامات الفردية التي فرضها المحتل إلى العمل المؤسساتي …بما أن المسلمين (السنة ) لا يملكون مرجعية دينية هرمية يجب الاستعاضة عنها بمؤسسات المجتمع المدني التخصصية!
- تأسيس مراكز أبحاث وصناعة قرار:تدعمها الكفاءات الأكاديمية السنية في الداخل والخارج لتقديم أوراق سياسات عامة وإستراتيجيات تفاوضية.
- تفعيل النقابات والاتحادات المهنية:(المهندسين والأطباء والمحامين والمعلمين وامثالهم ) في المحافظات السنية لتكون مراكز قوة مستقلة عن الأحزاب الفاسدة وتستطيع الضغط على الحكومة.
- التمكين الاقتصادي وبناء البرجوازية الوطنية فالسياسة تتبع المال والقدرة الاقتصادية. الفاعلية السنية لا تعود بالشعارات بل بالعمل التنموي من خلال:
- دعم القطاع الخاص المحلي:تشجيع رجال الأعمال النزهاء (وما أكثرهم في المغتربات) على الاستثمار في المحافظات السنية لخلق فرص عمل للشباب لإنهاء حالة الارتهان للوظيفة الحكومية التي تسيطر عليها الأحزاب الفاسدة.
- اعتماد مايسمى بحوكمة الإعمار:عبر مراقبة أموال إعمار المناطق المحررة عبر لجان شعبية وأكاديمية لمنع قادة الفساد من استخدامها كدعاية انتخابية أو لسرقتها.
- فرز جيل قيادي جديد (تجاوز الوجوه المستهلكة)حيث يجب التوقف عن تدوير الوجوه الفاسدة التي شاركت في الحكومات المتعاقبة.
- الاستثمار في الشباب:رعاية وتأهيل الشباب المتعلم والنزيه سياسياً وإدارياً.
- النزول للميدان والعمل البلدي:الفاعلية تبدأ من مجالس المحافظات والبلديات وقائممقاميات المدن ومن يثبت نجاحه ونزاهته محلياً يُدفع به إلى المستوى الوطني.
5.صياغة خطاب وطني عابر للمكونات (الاشتباك الذكي)
أ.الانكفاء الطائفي أثبت فشله ودفع السنة ثمنه باهظاً. الإستراتيجية الأنجح هي -التحالف مع القوى الوطنية المدنية في
الوسط والجنوب و وشمال العراق أربيل ودهوك والسليمانية التي تحارب الفساد والسلاح المنفلت.
ب.المطالبة بحقوق المكون (التوازن الوظيفي والمعتقلين والمهجرين والمغيبين) يجب أن تُطرح بلغة حقوق المواطنة
والدستور المعوق والقانون وليس بلغة الاستجداء الطائفي التي يستغلها الفاسدون للمتاجرة بها.
























