بقلم: د. مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
حين تحدث جلالة الملك عبدالله الثاني من الصين عن قدرة الأردن على أن يكون مركزاً إقليمياً للتصنيع والتصدير، لم يكن يقدم وصفاً جديداً للمملكة بقدر ما كان يضعها أمام وظيفة اقتصادية أكثر طموحاً من حجم سوقها. فالموقع الأردني، والموارد، والشباب، وشبكة العلاقات التجارية، لا تكتسب وزنها الحقيقي كل على حدة؛ قيمتها تبدأ عندما تعمل معاً داخل منظومة إنتاج قادرة على الوصول إلى الأسواق.
وهنا تحديدا تصبح الصين ذات صلة مباشرة بمستقبل الاقتصاد الأردني.
فالزيارة الملكية أخذت الوفد الأردني من بكين إلى شنغهاي وشنتشن؛ من مركز القرار السياسي إلى مدن تُختبر فيها يومياً علاقة التكنولوجيا بالصناعة، والابتكار بالإنتاج، واللوجستيات بالتجارة. وفي شنغهاي، اطّلع جلالة الملك على تطبيقات التكنولوجيا الرقمية في قطاع السياحة، فيما حملت محطة شنتشن دلالات مرتبطة بالروبوتات والنقل المتقدم والخدمات اللوجستية.
لهذا فإن أهم ما في الزيارة لا يكمن في إضافة صفحة جديدة إلى العلاقات الأردنية الصينية، وإنما في إعادة توظيف ما يمكن أن تنتجه هذه العلاقة.
واللافت أن هذا الاتجاه ظهر في القراءة الصينية نفسها. فقد كتبت Global Times أن القطاع الخاص الأردني يرى فرصة للانتقال من علاقة تتمحور حول التجارة والاستيراد إلى شراكة أوسع في الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، فيما تجاوز حجم التجارة الثنائية 6.7 مليار دولار في 2025، مع استثمارات صينية منفذة في الأردن تجاوزت 3.56 مليار دولار عبر 71 مشروعاً بين 2010 و2025.
هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كاملة. القصة الأهم هي ما يمكن أن يسهم هذا الرقم.
فإذا كانت التجارة قد أسست العلاقة، فإن المرحلة المقبلة تستطيع أن تجعل الإنتاج هو مركزها.
الأردن لا يحتاج إلى منافسة الصين في الحجم الصناعي؛ ميزته تكمن في شيء آخر. موقعه يربط أسواقاً متعددة، وموارده تتيح صناعات ذات قيمة مضافة، وكفاءاته البشرية تمنحه قاعدة للخدمات والاقتصاد المعرفي، واتفاقياته التجارية تفتح أمام المستثمرين منفذاً إلى أكثر من 50 سوقاً.
في المقابل، تمتلك الصين قاعدة صناعية وتكنولوجية وسلاسل توريد وخبرة في تحويل الابتكار إلى قدرة إنتاجية على نطاق واسع.
هذه هي نقطة الالتقاء التي تستحق أن تتحول إلى سياسة اقتصادية حقيقية.
فالاستثمار الذي ينشئ مصنعاً للتصدير، ويطور الموردين المحليين، وينقل التكنولوجيا، ويدرب الكفاءات، ويضيف الأردن إلى سلسلة إنتاج دولية، يختلف جذرياً عن استثمار يكتفي بدخول السوق المحلية.
ومن هنا تبدو قطاعات التعدين والأسمدة، والصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، والطاقة واللوجستيات، مرشحة لبناء طبقة جديدة من التعاون. والشراكة القائمة بين مستثمرين صينيين وشركة البوتاس العربية تقدم نموذجاً عملياً؛ إذ أشار وزير الاستثمار إلى مساهمتها في تعزيز الطاقة الإنتاجية وتوسيع الصادرات ومكانة الأردن كمورد عالمي للأسمدة والمدخلات الزراعية.
الرسالة الأهم في المشهد الصيني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد.
الروبوت في المصنع، والخوارزمية في سلسلة التوريد، والبيانات في إدارة الطاقة، والأتمتة في الموانئ، كلها أصبحت أجزاء من البنية الإنتاجية. وهذه هي المساحة التي يمكن أن تتحول فيها الشراكة الأردنية الصينية إلى قيمة تتجاوز استيراد التكنولوجيا.
فالذكاء الاصطناعي بالنسبة للأردن لا ينبغي أن ينتهي عند رقمنة الخدمة الحكومية أو إطلاق منصة جديدة. قيمته الاقتصادية الحقيقية تظهر عندما يخفض كلفة الإنتاج، يحسن إدارة الطاقة والمياه، يرفع كفاءة الزراعة، يختصر زمن النقل والتخليص، يساعد الشركات على اكتشاف الأسواق، ويفتح مجالاً لخدمات رقمية أردنية قابلة للتصدير.
ومن هنا تأتي أهمية إدراج الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء والتصنيع المتقدم ضمن المجالات التي اتفق البلدان على استكشافها في البيان المشترك الصادر عقب الزيارة.
في مقابلة مع People’s Daily عبر وكالة شينخوا، وصف جلالة الملك الأردن بأنه مؤهل ليكون مركزاً إقليمياً للتصنيع والتصدير، مستنداً إلى موقعه وموارده وشبابه المهرة، في تكامل مع القوة الاقتصادية والخبرة التكنولوجية والانتشار العالمي للصين. كما أشار إلى فرص في الطاقة الخضراء والابتكار العلمي والسياحة والطيران المدني وصناعة السينما.
وهذه ربما أكثر الأفكار أهمية في قراءة الزيارة من منظور أردني.
الأردن ليس مضطراً لأن يكون السوق النهائي للاستثمار الصيني. يستطيع أن يكون منصة إنتاج وخدمات وتصدير
العقبة ليست مجرد ميناء؛ يمكن أن تكون جزءاً من منظومة لوجستية وصناعية تخدم أسواقاً إقليمية. والشباب الأردني ليسوا مجرد قوة عمل؛ يمكن أن يصبحوا قاعدة للمهارات الرقمية والهندسية والخدمات العابرة للحدود. والاتفاقيات التجارية ليست امتيازات قانونية فقط؛ يمكن تحويلها إلى جزء من استراتيجية جذب الشركات التي تبحث عن موقع إنتاج يصل إلى أسواق متعددة.
بهذه الطريقة تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد فاعل ومؤثر .
التحرك الأردني نحو الصين لا ينبغي قراءته باعتباره استدارة من شريك إلى آخر. قوّة الأردن الاقتصادية تحديداً في قدرته على بناء شبكة واسعة من الشراكات، وتنويع الأسواق ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا، والاستفادة من علاقاته السياسية في خلق فرص اقتصادية جديدة.
والصين، من جهتها، ترى في الأردن شريكاً مستقراً وذا موقع ودور إقليمي. وقد أكدت People’s Daily في البيان المشترك أن البلدين يريدان تعميق التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والمعادن والزراعة والسياحة، إلى جانب الاقتصاد الأخضر والرقمي والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، مع الاستعداد لفتح آفاق جديدة في التعاون الصناعي والتنموي.
هذه هي الدبلوماسية الاقتصادية في صورتها الأكثر عملية: أن تتحول العلاقات الدولية إلى استثمار، وتكنولوجيا، وأسواق، ومعرفة، وقدرة إنتاجية.
والعام المقبل يحمل بعداً إضافياً؛ إذ يستعد البلدان للاحتفال بمرور خمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية في 2027، وهو توقيت يمكن أن يتحول من مناسبة رمزية إلى محطة لقياس ما إذا كانت الشراكة قد دخلت بالفعل مرحلة اقتصادية جديدة.
لكن النقطة الحاسمة لإختبار ما بعد العودة من السهل الاحتفاء بالاتفاقيات، لكن الاقتصاد لا يتغير بالتوقيع وحده
القيمة ستظهر عندما تتحول الاتفاقيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والتدريب إلى مهارات، والتكنولوجيا إلى شركات، والاستثمار إلى وظائف ذات إنتاجية أعلى.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى اختيار المشاريع الصينية على أساس أثرها داخل الاقتصاد الأردني: مقدار القيمة المضافة، ونسبة المكوّن المحلي، ونقل المعرفة، وتطوير الموردين، والتصدير، والبحث والتطوير، وقدرتها على خلق وظائف نوعية.
إذا تحقق ذلك، فإن الشراكة مع الصين لن تكون مجرد امتداد طبيعي لعلاقة تجارية متنامية؛ ستصبح جزءاً من إعادة بناء القدرة الإنتاجية للأردن.
فإذا كانت الرؤية الملكية قد وضعت الإطار، وجاءت الأرقام لتؤكد حجم الفرصة، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في الأدوات التي تحول هذه الشراكة من حوار استراتيجي إلى واقع تشغيلي. وهنا تبرز مساحات عملية أخرى تكمل حلقة البناء، وتضمن أن يتحول الأردن من مجرد محطة استقبال إلى شريك فاعل في هندسة الإنتاج:
فلا يكفي توقيع الاتفاقيات وحدها إن لم ترافقها حوكمة واضحة ومتابعة دقيقة تقيس الأثر الفعلي للمشاريع. ومن هنا تصبح الحاجة ملحة لتأسيس إطار تنظيمي يضمن قياس القيمة المضافة ونسبة المكوّن المحلي، إلى جانب تحديث تشريعات حماية الملكية الفكرية وتوطين المعرفة، لكي تجد كبرى الشركات الصينية في البيئة الاستثمارية الأردنية حاضنة آمنة لمراكز البحث والتطوير، لا مجرد خطوط إنتاج تقليدية.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الكفاءات البشرية. فالشباب الأردني المؤهل يمتلك طاقة هائلة، غير أن الانتقال إلى عصر المصانع الذكية والأتمتة يتطلب جسر الفجوة بين مخرجات التعليم وحاجة السوق الجديد. وهذا يفرض إعادة هيكلة برامج التدريب المهني والتقني بالشراكة مع المستثمرين أنفسهم، وتوجيه الجامعات نحو مساقات تطبيقية تدمج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة بالعمليات الإنتاجية، لتصبح القوى العاملة الأردنية رأس مال معرفياً عالي الإنتاجية.
أما البنية اللوجستية وجغرافيا المكان، فهما بحاجة إلى دفع إضافي لتتحولا إلى رافعة حقيقية. فعندما تُدار العقبة والمدن الصناعية بمنظومات رقمية ذكية وخوارزميات متقدمة لإدارة سلاسل التوريد، تتراجع كلفة النقل ويختصر زمن التخليص، لتصبح الموانئ والممرات الأردنية بوابات إنسيابية لا تربط فقط بين البلدين، بل تفتح أسواقاً إقليمية وعابرة للحدود بكفاءة تضاهي المعايير العالمية.
تلك هي التفاصيل التي تمنح المعاهدات مضامينها الحية، وتجعل من الشراكة مع الصين مساراً تراكمياً يبدأ من حسن الاختيار وينتهي بإنتاج وطني منافس، وقدرات رقمية تضع الأردن في المكانة التي يستحقها على خريطة الاقتصاد العالمي.
وهنا يظهر جوهر الرؤية الملكية حين تُترجم إلى أفعال؛ فجلالة الملك لا يقود دبلوماسية تقليدية، بل يفتح لشبابه ووطنه أبواباً حقيقية لنماء والعمل والإنتاج.
لقد ذهب جلالته إلى عملاق الاقتصاد العالمي محصناً بثقة وطنه وسمعته، ليعود ومعه المفتاح الميداني لبوابة عبور لإقتصاد عالمي جديد يراهن على عقول وسواعد شبابنا، منتج أردني يعبر الحدود بثقة، وشركة وطنية تخترق الأسواق الآسيوية، وتكنولوجيا متقدمة ترفع من كفاءة العامل الأردني وتضعه في قمة المنافسة.
بجهود سيدنا الحكيمة ومتابعته المستمرة، لا تقف هذه الزيارة عند حدود الاتفاقيات والمصافحات، بل تصبح شرياناً حقيقياً ينبض في قلب الاقتصاد الأردني واقعاً نعيشه، وعملاً نلمس أثره في كل فرصة جديدة وموقع متقدم يستحقه هذا الوطن.



























