بقلم: د. حيدر زويّر
الاستهزاء بإعلان بعض الفصائل المسلحة تسليم سلاحها للحكومة العراقية يكشف، من منظور تحليل الخطاب السياسي، عن قصور في تقدير المخاطر الوجودية المحدقة بالدولة. ففي مرحلة تشهد تحولات بنيوية في النظام الدولي، تعيد فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها تشكيل قواعد القانون الدولي والسيادة الوطنية وفق معطيات “الطوفان وما بعده”، يصبح أي رفض جوهري للانخراط في مشروع الدولة القومية تهديداً مباشراً لاستمرارية الكيان العراقي. ثمة إرادة دولية فاعلة تدفع باتجاه صيغة محددة للحكم في العراق، والخروج عنها لم يعد خياراً مفتوحاً دون تكلفة وجودية باهظة.
ليس الهدف هنا العودة إلى جدل الأسباب التاريخية التي منعت هذه الفصائل من الاندماج في بنية الدولة، أو تفسير إعراضها عن خطاب النخبة الدولتية، أو عدم امتثالها لتوجيهات المرجعية الدينية في النجف، أو طبيعة ارتباطها بالمحور الإيراني وتجاوزه حدود المصلحة الوطنية. هذه الأسئلة تنتمي إلى سياق تحليلي سابق، بينما تقتضي المرحلة الراهنة التركيز على المتغير المركزي: تسليم السلاح، باعتباره خطوة أولى في مسار أوسع هو الاحتكار القانوني للعنف.
من الضروري التمييز هنا بين مفهوم “السلاح” كأداة مادية، ومفهوم “العنف” كظاهرة سياسية واجتماعية أوسع. فالسلاح يمثل أخطر أدوات العنف، لكنه ليس الوحيد. إن مشروع حصر العنف يتطلب تفكيك جميع الأدوات والآليات التي تمكن جهات غير حكومية من ممارسة الإكراه أو التهديد به، سواء كان مادياً أم رمزياً أم مؤسسياً. هذه هي النقطة الجوهرية التي ينبغي أن تؤطر النقاش حول نزع السلاح.
بناءً على ذلك، فإن إعلان بعض الفصائل تسليم سلاحها لا يمثل نهاية للمسار، بل بدايته. يستوجب الأمر مباشرة مفاوضات منهجية وضغوطاً متصاعدة على الفصائل التي أعلنت رفضها تسليم سلاحها، لأن المشروع الوطني لا يكتمل إلا بوصول الدولة إلى نقطة الإعلان السيادي الواضح الذي ينص على أن أي جهة تحتفظ بسلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية تُعتبر كياناً خارجاً عن القانون، وتصبح هدفاً مشروعاً للملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية. ويجب أن يسري هذا التوصيف بشكل متجانس على جميع التنظيمات المسلحة، في مختلف المناطق الجغرافية العراقية، وبما يشمل أي أجهزة رسمية ثبت اختراقها وخضوعها لتوجيهات حزبية أو فئوية ضيقة.
حتى في حال كان تسليم السلاح تكتيكاً مرحلياً لبعض الأطراف، بهدف تجنب ضغوط خارجية أو لتحقيق مكاسب سياسية آنية، فإن واجب الدولة يكمن في استثمار هذه اللحظة السياسية لتحقيق الهدف الاستراتيجي. إن حصر السلاح ليس غاية بحد ذاته، بل هو ركيزة أساسية في مشروع بناء الدولة القومية والحكم الديمقراطي، الذي يجب أن يمثل الأفق الناظم لكل السياسات الحكومية في هذه المرحلة.
وهذا يفرض على حكومة الزيدي أن تتعامل مع الملف ليس بوصفه إجراءً إدارياً روتينياً، تؤديه المؤسسات البيروقراطية ضمن سياقاتها التقليدية، بل بوصفه عملية متخصصة وعالية التعقيد، تقع في صميم بناء السيادة. إن طبيعة هذه المهمة تستدعي حشد الخبرات المتميزة في مجالات القانون الدستوري، والإصلاح الأمني، والتفاوض الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، للانتقال بالبلاد من حالة التعددية المسلحة إلى حالة الاحتكار الشرعي للعنف، وفق معايير الدولة الحديثة.



























