بقلم: زياد المشهداني
يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ سنوات، ليس لأن التحديات جديدة، بل لأن الملفات الكبرى بدأت تتقاطع مع بعضها بصورة تجعل من الصعب فصل الأمن عن الاقتصاد، أو السياسة عن الجغرافيا، أو الداخل عن الإقليم.
أمنيًا، يبرز ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في مستقبل الدولة العراقية. فالتصريحات الحكومية الأخيرة، والحديث المتزايد عن إعادة تنظيم البنية الأمنية، وربط القرار الأمني بمؤسسات الدولة، كلها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استقرار العراق طويل الأمد يمر عبر توحيد القرار الأمني وإنهاء تعدد مراكز القوة. لكن هذا المسار، رغم أهميته، لن يُقاس بالبيانات السياسية بل بقدرة الدولة على تحويل التعهدات إلى مؤسسات وقواعد عمل مستدامة.
اقتصاديًا، يواجه العراق اختبارًا أكثر قسوة. فرغم امتلاكه واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ما يزال الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط الذي يشكل العمود الفقري للإيرادات العامة. هذا الاعتماد جعل البلاد أكثر عرضة للصدمات الإقليمية، خصوصًا مع اضطرابات طرق التصدير والتأثيرات المباشرة للتوترات الإقليمية على حركة الطاقة والأسواق. وتشير تقديرات حديثة إلى أن الاقتصاد العراقي يواجه ضغوطًا حقيقية مرتبطة بانخفاض الصادرات النفطية وارتفاع المخاطر المالية.
أما سياسيًا، فالعراق ما يزال يعيش معضلة التوازنات المعقدة. فالنظام السياسي نجح خلال سنوات طويلة في منع الانهيار الكامل، لكنه يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا: هل يستطيع الانتقال من إدارة الأزمات إلى إنتاج قرارات استراتيجية؟ فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على احتواء الخلافات، بل بقدرتها على صناعة سياسات طويلة الأمد.
إقليميًا، يبقى العراق في موقع شديد الحساسية. فهو يتأثر بما يجري حوله أكثر من كثير من الدول بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه. فالتوترات الإقليمية الأخيرة أظهرت حجم هشاشة الاعتماد على مسارات تصدير محددة، وكشفت أن الأمن الاقتصادي لم يعد أقل أهمية من الأمن العسكري. كما أعادت التذكير بأن بناء علاقات متوازنة مع المحيط لم يعد خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.
اجتماعيًا، يقف العراق أمام تحدٍ لا يقل خطورة: جيل شاب واسع التطلعات يطالب بفرص عمل وخدمات وحضور أكبر للدولة في الحياة اليومية. فالفجوة بين التوقعات الشعبية وقدرة المؤسسات على الاستجابة قد تتحول إلى عامل ضغط دائم إذا لم تُدار ببرامج إصلاح حقيقية.
ورغم كل ذلك، فإن العراق يمتلك عناصر قوة يصعب تجاهلها: موقع استراتيجي، موارد ضخمة، مجتمع شاب، وخبرة تراكمية في إدارة الأزمات. لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة التحول إلى دولة قوية. الفارق الحقيقي يكمن في كيفية إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى مشروع دولة.
السؤال الذي يواجه العراق اليوم ليس إن كان يمتلك فرصة للنهوض، بل إن كان قادرًا على استثمار لحظة التحولات الحالية قبل أن تتحول إلى فرصة ضائعة جديدة.
فالدول لا تتغير بالشعارات، بل عندما تصبح القرارات الصعبة أكثر حضورًا من الحسابات المؤقتة.




























