بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
غيب الموت الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لكن إرثه الحي في تفاصيل قطر الحديثة وفي سجلات الدبلوماسية الدولية يبقى عصياً على الغياب ، لم يكن الراحل مجرد حاكم تولى مقاليد السلطة عام 1995، بل كان مهندس الرؤية الاستراتيجية التي نقلت قطر من دولة هادئة على ضفاف الخليج إلى مركز ثقل اقتصادي وسياسي عالمي، جاعلاً من “الإعمار” و”السلام” الركيزتين الأساسيتين لعهده.
مسيرة الإعمار وتأسيس قطر الحديثة
أدرك الشيخ حمد مبكراً ، أن السياسة الخارجية القوية تحتاج إلى جبهة داخلية صلبة واقتصاد لا يهتز ومن هذا المنطلق، قاد ثورة تنموية شاملة استندت إلى استغلال حقل الشمال للغاز الطبيعي المسال، لتتحول قطر في عهده إلى المورد الأول للغاز في العالم، وصاحبة أحد أعلى مستويات الدخل للفرد عالمياً.
ولم يكن الإعمار في فكر الأمير الوالد مجرد مبانٍ شاهقة ومشاريع بنية تحتية عملاقة، بل كان استثماراً في الإنسان:
- التعليم والبحث العلمي: أسس “مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع” واستقطب أعرق الجامعات العالمية إلى الدوحة.
- رؤية قطر الوطنية 2030: أطلق هذه الرؤية الشاملة لتحويل قطر إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وتأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلاً بعد جيل.
- النهضة الإعلامية والثقافية: أسس شبكة الجزيرة التي غيرت وجه الإعلام العربي، ودعم المتاحف والفنون لتصبح الدوحة منارة ثقافية وإعلامية بارزة.
غصن الزيتون ودبلوماسية السلام والوساطة الدولية
بالتوازي مع الإعمار الداخلي، صاغ الشيخ حمد بن خليفة سياسة خارجية فريدة جعلت من قطر “عاصمة للوساطة وصناعة السلام” ، حيث آمن الراحل بأن الحوار هو السبيل الوحيد لحل النزاعات، وحمل غصن الزيتون مقرباً وجهات النظر في أعقد الملفات الإقليمية والدولية:
- اتفاق الدوحة بشأن لبنان (2008): نجحت الوساطة القطرية بقيادته في إنهاء أزمة سياسية حادة كادت تعصف بالسلم الأهلي في لبنان، وجلس الفرقاء اللبنانيون في الدوحة ليوقعوا اتفاقاً تاريخياً حقن الدماء.
- سلام دارفور (2011): احتضنت الدوحة لسنوات مفاوضات شاقة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، تكللت بتوقيع “وثيقة الدوحة لسلام دارفور”، التي وضعت حجر الأساس لإعادة إعمار الإقليم واستقراره.
- الملف الفلسطيني: كان الأمير الوالد مدافعاً شرساً عن الحقوق الفلسطينية، ولم تقتصر جهوده على الدعم السياسي، بل كان أول زعيم عربي يكسر الحصار عن قطاع غزة في زيارته التاريخية عام 2012، معلناً عن إطلاق مشاريع إعمار ضخمة شملت الطرق والمستشفيات والوحدات السكنية.
- الوساطات القارية: امتدت يد السلام القطرية لتشمل حل النزاعات بين جيبوتي وإريتريا، وتسهيل الحوارات الأفغانية، وغيرها من الملفات التي رسخت اسم قطر كلاعب دولي موثوق ونزيه.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
ترجل الأمير الوالد عن صهوة الحياة بعد أن سلم الراية سلمياً وبثقة كاملة لخلفه أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة كشفت عن عمق إيمانه بالمستقبل وتداول السلطة وضخ الدماء الشابة لمواصلة المسيرة.
رحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تاركاً خلفه وطناً آمناً مزدهراً، ومؤسسات راسخة، وسمعة دولية ارتبطت دائماً بغوث الملهوف، وبناء المدن المهدمة، وإطفاء نيران الحروب ، إن مسيرة الراحل نحو السلام والإعمار لم تكن مجرد مرحلة تاريخية، بل هي الأساس المتين الذي تقف عليه قطر اليوم وتتطلع من خلاله نحو المستقبل.
سلامأً لروحك … وعظيم الأسى والمواساة للأمير تميم والعائلة الكريمة والشعب القطري بهذا المصاب الجلل.

























