بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
انقسم العالم لحضة الاعلان عن الاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران ، بين مؤيد ورافض ومتحفظ بعد الاعلان عن الاتفاق الذي سيحمل “اتفاق اسلام اباد” ، فهناك من اعتبره قد حقق لترامب مكسباً استراتيجياً وسياسياً ، تمثل في تأمين اليورانيوم الإيراني المخصب، وضمان عدم فرض رسوم ملاحية بمضيق هرمز، وتوفير مخرج آمن من الصراع، وكسب الوقت للضغط الدبلوماسي والذي نص على الاتي:
- تجريد إيران من المواد الانشطارية اثر سعي واشنطن من خلال الاتفاق للحصول على اليورانيوم المخصب الموجود لدى إيران ونقله للتدمير، ما يقلص من قدرة طهران الفورية على تطوير سلاح نووي.
- تأمين حرية الملاحة ، حيث أسفرت التفاهمات عن تحييد أي محاولات إيرانية للسيطرة على مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور، ما حافظ على تدفق إمدادات الطاقة العالمية.
- الخروج من حرب الاستنزاف، بعد ان منح اتفاق وقف إطلاق النار إدارة ترامب مخرجاً سياسياً دبلوماسياً لتجنب الانخراط في حرب عسكرية مفتوحة ومكلفة.
- فرض قيود على التمدد الايراني الاقليمي بعد جولات من التفاوض ووضع الخطوط العريضة عليها.
بينما اعتبر اخرون ان التوقيع الامريكي على الاتفاق المبدئي بمثابة انتصاراً للصمود الايراني ، الامر الذي سيحقق لها مكاسب اقتصادية وإستراتيجية حيوية تتمثل بتخفيف العقوبات النفطية والمالية، الوصول إلى الأصول المجمدة، والحصول على تعويضات وضمانات تحمي نفوذها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي ، حيث تتوزع مكاسب طهران التفصيلية على النحو التالي:
- إنعاش قطاع الطاقة ، من خلال حصول ايران على ترخيصاً رسمياً لتصدير نفطها بكامل طاقتها الإنتاجية دون ملاحقة أمريكية، ما يعيد تدفق الإيرادات لملء خزينة الدولة المتضررة.
- فك تجميد الأموال ، حيث منحت التفاهمات طهران فرصة الوصول إلى أصولها المالية المجمدة في الولايات المتحدة والمصارف العالمية للاستفادة منها داخلياً.
- حصول ايران على تعويضات الحرب ، ضمن الية مسارات إعادة الإعمار والتعويض عن الأضرار البنيوية والمالية الناجمة عن جولات القصف والضربات الجوية السابقة.
- حماية النفوذ والترسانة التقليدية ، حيث نجحت طهران في إبقاء برنامجها للصواريخ الباليستية وشبكة الفصائل الموالية لها في المنطقة خارج القيود المباشرة للاتفاق الفوري، ما يحفظ أوراق قوتها الإقليمية.
- تثبيت الحق النووي الأساسي ، على الرغم من خفض نسب التخصيب مؤقتاً ونقل الكميات المرتفعة ، الا ان ايران قد حافظت على بنيتها التحتية لإنتاج الطاقة النووية السلمية والاعتراف الدولي ببرنامجها الخاضع للرقابة.
انعكاسات توقيع الاتفاق على ترامب
تأثرت شعبية الرئيس دونالد ترامب سلباً بالفعل وتراجعت إلى مستويات قياسية منخفضة بلغت حوالي 37% في استطلاعات الرأي الأخيرة، لكن هذا التراجع يعود بشكل أساسي إلى التبعات الاقتصادية الكارثية لحرب الـ 12 يوم السابقة مع إيران وليس بسبب توقيع الاتفاق المبدئي نفسه و يُمكن تفكيك مشهد القوة والشعبية لترامب عقب الإعلان عن مسودة الاتفاق على النحو التالي:
1.الاستنزاف الداخلي وتراجع الشعبية اثر ارتفاع فاتورة الحرب الاقتصادية والانخراط في النزاع العسكري المباشر منذ فبراير الماضي ما تسبب في ارتفاع حاد لأسعار الوقود والتضخم ، الامر الذي سيلقي بظلال قاتمة على آفاق الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة.
2.محاولة استعادة “قوة الردع” سياسياً في خطاباته لتجنب الظهور بمظهر الضعيف أمام جمهور اليمين، وحرصه على استخدام عبارة ، “أن طهران أمة مهزومة” وسحقت قدراتها العسكرية، وأن الخيار العسكري جاهز (“إما اتفاق جيد أو سأقضي عليهم تماماً”) إذا تراجعت إيران.
3.انتقادات الصقور والمحافظين، حيث يرى بعض حلفاء ترامب التقليديين (والجانب الإسرائيلي خلف الكواليس) أن أي تنازل أو تفاهم يمنح إيران تسييل أصول مالية أو فرصة لالتقاط الأنفاس هو بمثابة تراجع عن سياسة “الضغط الأقصى” التي كان يتبناها.
اسرائيل الخاسر الأكبر
يرى طيف واسع من المحللين السياسيين والمسؤولين الأمنيين ، أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر من هذا الاتفاق المبدئي ويعود ذلك إلى أن التفاهمات الحالية بين واشنطن وطهران تترك تل أبيب في مواجهة طموحات جارتها الإقليمية دون تحقيق الأهداف العسكرية الكبرى التي طالما دعت إليها في ظل بقاء الترسانة الصاروخية الايرانية وشبكة وكلاءها دون مساس ، اضافة الى ان الاتفاق يعالج ملف الملاحة في مضيق هرمز ومستويات تخصيب اليورانيوم فقط وترك منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية وشبكة الفصائل المسلحة في المنطقة خارج القيود الصارمة، وهو ما تراه تل أبيب تهديداً وجودياً مباشراً لم يتم حسمه ، يضاف الى ذلك فشل اسرائيل في تحقيق “تغيير النظام” أو الحسم العسكري وانهيار تقديرات الحرب التي أثبت عدم واقعية التقديرات الإسرائيلية السابقة بأن الحرب ستنتهي سريعاً بحسم عسكري كامل، وجاء اضطرار واشنطن للجوء إلى الدبلوماسية لينهي آمال تل أبيب في استكمال تدمير القدرات الإيرانية ، حيث تخشى إسرائيل أن تستغل طهران هذا الاتفاق المبدئي ورفع الحصار عن موانئها لتخفيف الضغط الاقتصادي وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
ايران الرابح الاكبر
نجحت طهران في تحويل الضغط العسكري والاقتصادي الهائل إلى مكاسب استراتيجية وسياسية تتمثل في انتزاع الشرعية وحماية أوراق القوة والبقاء وتجاوز محنة الحرب ، حيث أثبت النظام قدرته على الصمود أمام الآلة العسكرية الأمريكية ومحاولات إسقاطه، وخرج من الموجهة معترفاً به كطرف تفاوضي أساسي وحفظ الترسانة الإقليمية، كون الاتفاق المبدئي تفكيك شبكة الفصائل الموالية لإيران ولا منظومتها للصواريخ الباليستية ، ما يعني احتفاظها بأهم أوراق الردع الاستراتيجي لديها ، اضافة الى كسر العزلة الاقتصادية وحصولها على ضوء أخضر لتصدير النفط بكامل طاقتها والوصول إلى الأموال المجمدة، وهو شريان الحياة الذي سيعيد إنعاش اقتصادها الداخلي ، مايمكنها من صيانة البنية التحتية النووية رغم تقديم تنازلات بنقل اليورانيوم عالي التخصيب، إلا أن إيران حافظت على منشآتها ومهندسيها وحقها في التخصيب السلمي تحت الرقابة الدولية وحصولها على تعويضات مادية غير مسبوقة عن الحرب والدمار الذي لحق بها وهو بند يُعد انتصاراً دبلوماسياً نادراً لدولة كانت تحت الحصار.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان العوامل الرئيسية التي قد تدفع ترامب نحو التوقيع ، يقف في مقدمته الشارع الأمريكي والمستهلك اللذان يمثلان الضاغط الاقتصادي الأكبرفي الولايات المتحدة الامريكية بسبب تفاقم التضخم وارتفاع أسعار الوقود في أشهر المواجهة والحصار البحري في اضطراب أسواق الطاقة العالمية سينعكس مباشرة على جيوب المواطنين الأمريكيين الذين واجهوا موجة غلاء وتضخم حادة، ما أثار سخطاً شعبياً واسعاً ضد سياسات الإدارة العسكرية وكذلك الخوف من الهزيمة الانتخابية اثرهبوط شعبيته إلى مستويات قياسية قبيل اقتراب الانتخابات النصفية للكونجرس ، مدركا بذلك أن استمرار الحرب سيقضي تماماً على حظوظ الحزب الجمهوري، الامر الذي جعله بحاجة لإنجاز دبلوماسي سريع يهدئ الأسواق ويعيد خفض الأسعار، يضاف الى ذلك ان قادة البنتاغون والمؤسسة العسكرية حذروه من مخاطر الحرب المفتوحة والمكلفة والغير المضمونة ،الامر الذي يضع آلاف الجنود الأمريكيين والقواعد المنتشرة في الشرق الأوسط تحت رحمة ضربات انتقامية مباشرة من طهران أو الفصائل الموالية لها ، وكذلك ضغوط الحلفاء الغربيين والوسطاء الدوليين وأدوارهم المحورية كقنوات خلفية لنقل الرسائل وتقريب وجهات النظر لتفادي انفجار كامل للمنطقة والمخاوف الأوروبية من انهيار الطاقة وربما مسك ختام تحليلنا يكمن في قناعة ترامب البراغماتية في أدوات الحصار التي وصلت مداها ، بدفع اقتصاد طهران نحو حافة الانهيار وان الموافقةعلى الاتفاق المبدئي تمكنه من تسويق نفسه كـ “صانع صفقات قوي” فرض شروطه دون الحاجة لشن غزو بري مكلف ومرفوض شعبياً. وقد نذهب الى ماهو ابعد من ذلك بتراجعه عن التوقيع على الاتفاق ويبقي خيار الحسم العسكري قائماً.
























