بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
قرار المرشد الإيراني بعدم إخراج اليورانيوم عالي التخصيب (بنسبة 60%) إلى خارج البلاد، مايعني التشبث بالموقف النووي الإيراني ورفض التنازل عن إحدى أهم أوراق الضغط في المفاوضات وهذا القرار يُبقي طهران ممتلكةً لمقومات القدرة النووية المتقدمة، ويُصّعب الجهود الدبلوماسية الهادفة لإنهاء النزاع ، حيث ان دلالات عدم ارسال اليورانيوم المخصب في ايران تمثل بطاقة عبور سريعة لانتاج القنبلة بنسبة 60% تُعد عتبة تقنية خطيرة، تمكن إيران من الوصول إلى نسبة التخصيب العسكري 90% في غضون أيام إلى أسابيع قليلة إذا قررت ذلك وهي ورقة ضغط استراتيجية تضمن بقاء “قدرة الردع” والمساومة السياسية والاقتصادية داخل الأراضي الإيرانية ويشكل تعقيداً لمفاوضات التهدئة ، من شأنه يشكل تحدياً كبيراً للجهود الدبلوماسية، ويثير توتراً مع الإدارة الأمريكية التي تصرعلى إخراج هذه المواد كشرط أساسي ضمن تسويات وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وهو تحدي مباشر لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي تنتهجها إدارة ترامب، ورسالة تفيد بأن طهران مستعدة للمواجهة أو الاستمرار في الحرب بدلاً من الاستسلام الكامل والشروط الصارمة المطروحة ، خصوصاً بعد ابلاغ واشنطن الوسطاء (الباكستانيين والعُمانيين) بأن العودة للتفاوض أو وقف الحرب بشكل دائم مشروطان بتسليم الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بالكامل وإيقاف كل أنشطة التخصيب وتفكيك منشآت فوردو، ونطنز، وأصفهان، مع الإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط لأغراض تشغيلية محدودة جداً وفرض حظر على التخصيب والبرامج النووية لمدة تتراوح بين 12 إلى 20 عاماً.
دور الوسطاء بعد قرار المرشد الايراني الاخير
يتلخص موقف الوسطاء حالياً في ممارسة ضغوط مكثفة وسباق محموم مع الزمن لتفادي انهيار المحادثات، محذرين صراحة من أن “نافذة الدبلوماسية بدأت تضيق” بعد قرار المرشد وتمسك واشنطن بشروطها الصارمة، حيث يسعى يحاول المفاوض الباكستاني لصياغة حل وسط يضمن اعترافاً اسمياً بحق إيران في التخصيب السلمي بموجب المعاهدات الدولية (تلبية لمطلب طهران)، مقابل تعهد إيراني بـ “تعليق فوري وعملي” للتخصيب عالي النسبة لسنوات طويلة لطمأنةً لترامب ، خصوصاً ان المفاوض الباكستاني يخشى من ضيق الوقت بسبب استمرار الطرفين في تغيير وتصليب الشروط، وسط مخاوف من لجوء واشنطن لخياراتها العسكرية الجاهزة ، ما يضع باكستان امام مفترق طرق يصعب استدراكه ونسف نقطة الالتقاء الرئيسية والتحول إلى “سُعاة بريد” للتهديدات بدلاً من صياغة حلول مبتكرة ونقل الردود الإيرانية المتصلبة إلى واشنطن ، ما يعني ان الدبلوماسية تتحرك حالياً في الرمق الأخير، حيث يبحث الوسطاء عن صيغ مبتكرة للالتفاف على العقدة النووية الإيرانية وتجنب الانفجار العسكري المحتوم.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان الوسطاء سيبحثون عن الخيارات البديلة المتبقية وايجاد صيغة “التجميد المتبادل والمراقب” وطرحهم حلاً بديلاً يقضي ببقاء اليورانيوم المخصب بنسبة 60% داخل إيران (نزولاً عند رغبة المرشد)، لكن مع وضعه تحت أختام دولية صارمة ومراقبة حية بالكاميرات على مدار 24 ساعة من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان عدم نقله أو رفعه لنشاط عسكري، مقابل تجميد أمريكا لخطط الضربات العسكرية وتحويل المخزون إلى “شكل غير قابل للاستخدام العسكري” في محاولة لإقناع طهران بتحويل كيميائي لليورانيوم عالي التخصيب من غاز (UF6) إلى أكسيد اليورانيوم الصلب، مما يصعب ويوخر عملية إعادة تخصيبه لنسب عسكرية، وهو ما قد يمنح ترامب تنازلاً فنياً مقبولاً وعزل الملف النووي والتركيز على “هدنة الملاحة والطاقة” إذا استحال حل العقدة النووية، خصوصاً ان الوسطاء يسعون لإنقاذ هدنة البحر والمضائق بشكل منفصل، لضمان استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز وعدم استهداف السفن، وتأجيل الصدام النووي لجولات لاحقة ، اخذين بنظر الاعتبار ان أحدث قرار المرشد وتصلب الموقف الأمريكي ستكون له موجة ارتدادية فورية في الأسواق المالية وقفزة في أسعار خام برنت وتخوف المستثمرين من شبح الحرب والمخاوف من إغلاق مضيق هرمز من أن يؤدي فشل الوساطة إلى عودة الحصار الملاحي أو قيام إيران باستهداف ناقلات النفط في الخليج العربي، وهو الممر الذي يعبر منه نحو 20% من إمدادات النفط العالمية التي تترقب ردة فعل الرئيس ترامب من احتمالية فرض عقوبات أشد صرامة على مبيعات النفط الإيراني المتبقية (خاصة المتجهة إلى الصين) اضافة الى الاسواق الاوروبية ، ما قد يتسبب في نقص مفاجئ بالإمدادات العالمية ، اثر قرار المرشد الايراني الذي جاء بشكل قاطع ببصمات الحرس الثوري ، مايقرب من نقطة الصفر ويزيد بشكل حاد من احتمالية استئناف الولايات المتحدة للعمليات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران ، على اعتبار ان التصلب الإيراني يضرب مباشرةً “الخط الأحمر” الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب كشرط أساسي لاستمرار التهدئة وتفعيل أمر الهجوم المؤجل الذي أعلن عنه ترامب مؤخراً استجابةً لطلب قادة دول خليجية لإعطاء فرصة للمفاوضات ، حيث ان قرار المرشد يعني عملياً فشل هذه الفرصة ما يمنح واشنطن الذريعة لتنفيذ “هجوم شامل ومكثف” في أي لحظة.



























