بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تتأرجح تداعيات اعتقال القيادي محمد باقر السعدي على المصالح الأمريكية بين مكاسب أمنية فورية ومخاطر تصعيدية محتملة ضد أهدافها في الشرق الأوسط وخارجه ، مايضع حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أمام اختبار حقيقي يكشف حدود قدرتها على ضبط الفصائل المسلحة ، بعد نجاح عملية اعتقال القيادي في كتائب حزب الله العراقي (محمد باقر السعدي) في شل مخططاته بضرب كنائس ومؤسسات يهودية ومصالح إسرائيلية في نيويورك، ولوس أنجلوس، وأريزونا، وكاليفورنيا ، حيث ادى الاعتقال الى تفكيك الخلايا الأوروبية وقطع شبكة التنسيق العابرة للقارات التي أدارها لشن هجمات في كندا وأوروبا تحت غطاء جماعات واجهة مثل “أصحاب اليمين” ، الأمر الذي قد يرفع من وتيرة المخاطر الانتقامية ضد المصالح الأمريكية واستهداف القواعد العسكرية بقيام الفصائل المسلحة الحليفة لكتائب حزب الله بشن ضربات ثأرية بالمسيرات والصواريخ ضد القواعد الأمريكية في العراق وسوريا ودول الخليج العربي وكذلك تهديد البعثات الدبلوماسية ، ما يرتفع مؤشرات الخطر حول السفارة الأمريكية في بغداد والقنصليات، خصوصاً وان الخارجية الامريكية اصدرت مؤخرا تحذيرات أمنية مشددة لرعاياها في العراق تتعلق بنشاط هذه الفصائل.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
الخلايا النائمة قد تدفع عملية الانتقال السريعة للسعدي إلى القضاء الأمريكي بالفصائل الموالية لإيران لتنشيط خلاياها لضرب أهداف اقتصادية أو نفطية غربية في المنطقة واستغلال الحادثة سياسياً من قبل الفصائل المسلحة في العراق كدليل على ما تصفه بـ”القرصنة والاختطاف الأمريكي”، من شأنه رفع حدة الضغوط امام البرلمان العراق الذي يضم اجنحة سياسية تابعة لهذه الفصائل للمطالبة باخراج القوات الأجنبية من العراق وهذا ما سينعكس ببشكل مباشر ومحرج للحكومة العراقية التي رفعت شعار “حصر السلاح بيد الدولة وينقسم هذا الانعكاس والارتداد على الحكومة العراقية إلى عدة مستويات رئيسية:
- تحدي هيبة الدولة: أي رد عسكري منفرد من الفصائل (مثل كتائب حزب الله أو النجباء) لضرب مصالح أمريكية سيمثل إعلاناً صريحاً بضرب قرار السلم والحرب الحكومي بعرض الحائط.
- شرخ داخل التحالف الحكومي: تصر الفصائل الرافضة لنزع سلاحها على أن سلاح المقاومة مستثنى من مسمى “السلاح المنفلت”، مما يضع رئيس الوزراء أمام ضغط سياسي داخلي من كتل تمتلك أجنحة مسلحة داخل منظومة الدولة.
- تجدد الصدام غير المباشر: إذا استخدمت الفصائل الأراضي العراقية لشن هجمات انتقامية، ستجد الحكومة نفسها عاجزة عن حماية البعثات الدبلوماسية والقواعد المشتركة، مما يسقط الوعود الأمنية التي قطعتها للمجتمع الدولي والولايات المتحدة.
- الرد الأمريكي المضاد: لن تتردد واشنطن في الرد على مصادر النيران داخل العراق، مما يعني انتهاكاً جديداً للسيادة العراقية تلام فيه الحكومة لعدم سيطرتها على السلاح المنفلت.
أزمة ثقة وتأثيرات خارجية
- تراجع الدعم الدولي: يعتمد نيل الحكومة للثقة والاعتراف الدولي على قدرتها على فرض الاستقرار والابتعاد عن المحاور الإقليمية في حال فشلها بكبح الرد الانتقامي قد يبعث برسالة سلبية للشركاء الدوليين والمستثمرين.
- تعقيد ملف انسحاب التحالف: تستغل القوات الأمريكية هذه الهجمات لتبرير بقائها في العراق بحجة أن القوات الأمنية الحكومية لم تصل بعد للمرحلة التي تمكنها من ضبط الأمن الداخلي ومنع الهجمات الإرهابية عابرة.
ستكون إيران حاضرة في المشهد، ولكن حضورها سيكون غير مباشر ومستنداً إلى إستراتيجية “الحرب بالوكالة” وتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة من خلال تفعيل غطاء جماعات الواجهة التي تراهن عليها في إدارة العمليات عبر مسميات ومجموعات ظل ناشئة لحفظ “هامش الإنكار الاستراتيجي”، لتجنب أي مسؤولية قانونية أو عسكرية دولية تقع على عاتق النظام الإيراني التي يتعرض لضغوط وحصار بحري وعسكري، وتدخل في مقايضات ومفاوضات جيوسياسية كبرى تشارك فيها قوى دولية مثل الصين. لذا، لا ترغب طهران في الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة ومباشرة مع واشنطن بسبب اعتقال قيادي ميداني ولهذا تجنب رد الفعل الأمريكي العنيف كونها تدرك ، أن الإدارة الأمريكية الحالية حازمة في ردودها وتلاحق خلايا الاستخبارات الإيرانية بصرامة ، وان أي رد إيراني علني ومباشر سيمنح واشنطن الذريعة لشن ضربات مدمرة على أهداف حيوية أو نفطية داخل إيران ، لذلك ستستخدم أدواتها الإعلامية والسياسية لتكثيف الضغط على الحكومة العراقية، بغية تسريع إنهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق كأكبر رد إستراتيجي على العملية ومن المرجح أن توعّز طهران لأذرعها الرقمية بشن هجمات سيبرانية مكثفة ضد مؤسسات أمريكية وإسرائيلية كجزء من سياستها التقليدية في الرد الرقمي الموازي.
النتائج والتوقعات
تعهدت الولايات المتحدة ابان المواجهة الاخيرة مع ايران باستهداف الفصائل المسلحة المدعومة من ايران وملاحقة قادتها بعد هجماتها المتكررة على المصالح الامريكية وبعثاتها الدبلوماسية في العراق والمنطقة ، سيضع الزيدي أمام مقترق طرق بعد تعهده بالاصلاح المصرفي والأمني في برنامجه الحكومي الحالي بالعمل على إصلاح المنظومة المصرفية المنهكة بالعقوبات، وفي الوقت ذاته السعي لحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يضعه في خط مواجهة واختبار صعب أمام الفصائل التي حامت حول بنكه الشبهات بسببها سابقاً.




























