بقلم: الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
في كل مرة يغير العالم أدوات قوته تتغير معه خريطة الدول دون أن تتحرك الحدود حدث ذلك حين انتقلت القوة من الأرض إلى الصناعة ثم من الصناعة إلى الطاقة ويحدث اليوم بصورة أكثر وتعقيدا مع انتقال العالم إلى الاقتصاد الرقمي فالدول لم تعد تتنافس فقط على ما تملكه بل على ما تعرف كيف تديره على سرعة أنظمتها وكفاءة مؤسساتها وقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة ولهذا لم تعد الاستراتيجيات الرقمية ملفا تقنيا يخص قطاع الاتصالات أو الخدمات الإلكترونية بل أصبحت جزءا من الطريقة التي تعيد بها الدول تعريف اقتصادها وفرصها وموقعها داخل عالم يتحرك بسرعة أكبر من قدرة النماذج التقليدية على مواكبته.
هذا التحول يضع الأردن أمام معادلة مختلفة عن كثير من الدول فالدولة التي لا تعتمد على وفرة الموارد الطبيعية تجد نفسها أمام حاجة متزايدة لبناء نماذج اقتصادية أكثر اعتمادا على الكفاءات البشرية والاقتصاد المعرفي ومن هنا يكتسب التحول الرقمي أهمية تتجاوز فكرة التحديث الإداري ليصبح جزءا من إعادة التفكير في شكل النمو وفرص العمل وطبيعة الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
خلال العقد الأخير بدأت الرقمنة تتوسع تدريجيا داخل قطاعات متعددة في الأردن من الخدمات الحكومية والقطاع المالي إلى التعليم والاتصالات وريادة الأعمال ووفق بيانات وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة بلغت نسبة استخدام الإنترنت بين الأفراد نحو 95.6% خلال عام 2024 فيما وصلت نسبة انتشار الإنترنت المنزلي إلى 96.5%، إلى جانب ارتفاع نسبة امتلاك الهواتف الذكية إلى 97.5% هذه المؤشرات تعكس أن البيئة الرقمية أصبحت جزءا أساسيا من الحياة اليومية لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحولات أعمق تتعلق بطريقة الوصول إلى المعرفة والخدمات والعمل.
فالاقتصاد الرقمي لا يغير الأدوات فقط بل يغير شكل الفرص نفسها ففي النماذج الاقتصادية التقليدية كانت القدرة على الدخول إلى السوق ترتبط غالبا برأس المال أو البنية الصناعية أو الموقع الجغرافي بينما تتيح البيئة الرقمية فرصا أكبر للأفراد والشركات الصغيرة للدخول إلى مجالات جديدة تعتمد على المهارة والمعرفة والقدرة على الابتكار وهذا ما يفسر التوسع المتزايد في مجالات مثل العمل الحر والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والمشاريع التقنية الناشئة داخل السوق الأردني.
كما أن تطور البنية التحتية الرقمية خلال السنوات الأخيرة لعب دورا مهما في دعم هذا التحول فقد توسعت شبكات الألياف الضوئية وخدمات الجيل الخامس بشكل ملحوظ وهو ما ساهم في تحسين جودة الاتصال وسرعة الوصول إلى الخدمات الرقمية وتكمن أهمية هذه الخطوات في أن كفاءة البنية التحتية أصبحت عاملا أساسيا في جذب الاستثمار ودعم الأعمال وتمكين القطاعات المختلفة من الاستفادة من الاقتصاد الرقمي بصورة أكثر فاعلية.
وفي القطاع الحكومي اتجه الأردن نحو توسيع رقمنة الخدمات بهدف رفع الكفاءة وتقليل الإجراءات التقليدية وقد ساهمت هذه الخطوات في تحسين الوصول إلى عدد من الخدمات وتسريع بعض العمليات الإدارية إلا أن نجاح التحول الرقمي لا يقاس فقط بعدد الخدمات الإلكترونية المتاحة بل بمدى قدرتها على تبسيط الإجراءات وتحسين تجربة المستخدم وتقليل الوقت والتكلفة على الأفراد والمؤسسات.
أما في قطاع التعليم فقد فرضت التحولات الرقمية واقعا جديدا على طبيعة المهارات المطلوبة في سوق العمل فالعالم يتجه بصورة متسارعة نحو وظائف تعتمد على التكنولوجيا وتحليل البيانات والقدرة على التكيف مع أدوات رقمية متغيرة باستمرار ما يجعل تطوير التعليم والتدريب الرقمي ضرورة تتجاوز فكرة التحديث التقني إلى بناء قدرات بشرية قادرة على التعامل مع اقتصاد مختلف في بنيته ومتطلباته.
ورغم المؤشرات الإيجابية فإن التحول الرقمي في الأردن ما يزال يواجه تحديات حقيقية تتعلق بالفجوة المهارية والأمن السيبراني وحماية البيانات إضافة إلى تفاوت القدرة على الوصول إلى بعض الفرص الرقمية كما أن التحول الرقمي لا يمكن التعامل معه باعتباره مشروعا تقنيا منفصلا عن بقية القطاعات لأن أثره يرتبط بشكل مباشر بالتعليم والتشريعات والاستثمار وكفاءة المؤسسات والقدرة على خلق بيئة تشجع الابتكار والإنتاجية.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة واضحة إلى استراتيجيات رقمية أكثر تكاملا تربط بين تطوير البنية التحتية وبناء المهارات وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا وتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص فالرقمنة لا تحقق أثرها الحقيقي عندما تقتصر على تحديث الخدمات فقط بل عندما تتحول إلى جزء من نموذج اقتصادي قادر على خلق قيمة مضافة وفرص مستدامة وتحسين كفاءة القطاعات المختلفة.
وفي النهاية تبدو الاستراتيجيات الرقمية في الأردن جزءا من تحول عالمي أوسع يعيد تعريف شكل الاقتصاد والإدارة والعمل إلا أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في التكنولوجيا نفسها بل في كيفية توظيفها ضمن رؤية واقعية قادرة على تحويل الإمكانيات الرقمية إلى أثر اقتصادي وتنموي فعلي فالدول لا تحقق التقدم لأنها تمتلك التكنولوجيا فقط بل لأنها تعرف كيف تستخدمها لبناء اقتصاد أكثر مرونة، ومؤسسات أكثر كفاءة وفرص أكثر قدرة على الاستمرار في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

























