بقلم: الدكتور سامي خاطر
يمثل الفضاء الرقمي في بيئة الأمن الدولي الراهنة ساحة مواجهة لا تقل خطورة عن ميادين الصراع التقليدية حيث تُوظف القوى الإقليمية الأدوات السيبرانية كأدوات “قوة ناعمة” و”خشنة” على حد سواء لإدارة الأزمات والالتفاف على الضغوط الدولية، وفي هذا السياق تأتي العملية الأمنية الواسعة المنسقة التي قادتها وكالة شرطة الاتحاد الأوروبي يوروبول من أجل تفكيك البنية التحتية الرقمية التابعة لـ حرس الملالي كمؤشر حاسم على تحول استراتيجي في المقاربة الأوروبية تجاه طهران.
إن هذه الضربة السيبرانية التي شملت استهداف وحظر آلاف المواد الرقمية لا تقف عند حدود الضبط الأمني الافتراضي بل تعكس أبعاداً سياسية واقتصادية معقدة تتعلق بآليات صراع النفوذ وإعادة تقييم التهديدات العابرة للحدود، وأيضا كمحاولات لتحجيم الأذرع الإقليمية للنظام الإيراني في بيئة دولية متوترة.
تفكيك البنية الرقمية.. بين رصد التكتيكات وحجم الضربة
تكتسب عملية يوروبول الأخيرة أهميتها البنيوية من حيث حجم التنسيق والاستهداف؛ إذ أسفرت عن تحديد واستهداف أكثر من 14 ألفاً و200 منشور ومحتوى رقمي مرن.. فضلاً عن حظر الحساب الرئيسي التابع لتلك المؤسسة الأمنية على منصة إكس والذي كان يحظى بمتابعة تتجاوز 150 ألف شخص في أوروبا.
إن إشراك 19 دولة في هذه العملية الاستخباراتية الشاملة وفي مقدمتها قوى أوروبية كبيرة مثل ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، والسويد بالتعاون مع الولايات المتحدة يوضح أن العواصم الغربية باتت تتعامل مع النشاط الرقمي الإيراني بوصفه تهديداً أمنياً حرجاً لسلامة مجتمعاتها.. وتكشف التحقيقات عن استغلال هذه الشبكات لشركات استضافة مواقع الإنترنت في دول متعددة تمتد من روسيا إلى الولايات المتحدة مما يبرز قدرة النظام على المناورة التكنولوجية العابرة للمحاور السياسية التقليدية للحفاظ على غطائه الإلكتروني.
الالتفاف الاقتصادي.. العملات المشفرة.. والتحايل على العقوبات
تتجاوز الأهداف التكتيكية للمنظومة الإعلامية السيبرانية الجانب الأيديولوجي لتصل إلى عمق الاستراتيجية الاقتصادية لنظام الملالي؛ فقد كشف تقرير يوروبول عن استخدام هذه الشبكات والمنصات كأدوات للتحايل المالي والمصرفي عبر توظيف المعاملات بالعملات المشفرة في ظل العقوبات الدولية المشددة المفروضة على قطاعات الطاقة والمال الإيرانية، ويمثل الفضاء الرقمي اللامركزي رئة اقتصادية بديلة تتيح لنظام الولي الفقيه تمويل أنشطته، وتوفير السيولة ونقل الأموال عبر الحدود بعيداً عن الرقابة الصارمة لمنظومة التحويلات المالية العالمية، وبناءً على ذلك فإن تجفيف المنصات الرقمية وحظر حساباتها يعد خطوة استراتيجية تستهدف شل قدرة ميليشيا حرس الملالي على استغلال الثغرات التقنية في تمويل برامجه التسليحية وإدارة استثماراته الخارجية المغطاة بشركات وهمية.
تكنولوجيا التضليل.. الذكاء الاصطناعي والدعاية الموجهة
من الناحية المنهجية يُظهر التقرير الأوروبي تطوراً نوعياً في أدوات البروباغندا الإيرانية وتحديداً من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع فيديو ومواد إعلامية مضللة وموجهة للرأي العام الغربي والإقليمي، وتهدف استراتيجية التواصل هذه إلى صياغة سرديات بديلة تخدم المصالح الجيوسياسية لنظام الملالي الحاكم في إيران، وتروج صراحة للأذرع والميليشيات المتحالفة معها في المنطقة مثل حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وميليشيا الحوثي في اليمن.
إن استهداف المحتوى الرقمي لهذه الأذرع بالتزامن مع الحسابات الأم يعكس اقتناعاً أوروبياً متزايداً بوحدة الجبهة السيبرانية لهذه القوى، وأن مواجهة النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني لا يمكن تفكيكه بمعزل عن السيطرة على أدوات ترويجه الإعلامي المتطرف.
التداعيات الجيوسياسية والمسارات المستقبلية المواكبة
جاء هذا التحرك الحاسم امتداداً لإجراءات سياسية سابقة تمثلت في إدراج ما يسمى بـ الحرس الثوري على قوائم الإرهاب الأوروبية.. كما جاء متأثراً بشكل مباشر بالمواقف الدولية المقاطعة لسياسات القمع الداخلي التي تلت الانتفاضات الشعبية في الداخل الإيراني.. ومن منظور استراتيجي تشير هذه العملية إلى أن الفضاء السيبراني أضحى خط الدفاع الأول في استراتيجية “الردع المرن” التي يتبناها الاتحاد الأوروبي.
تؤكد المعطيات الراهنة أن الصراع لن يتوقف عند هذه الجولة؛ فالشبكات الرقمية المرتبطة بطهران تبدي مرونة عالية في إعادة تشكيل نفسها مستخدمة خوادم بديلة وتقنيات تشفير بالغة التعقيد.. وعليه فإن تشديد يوروبول على استمرار الملاحقة العابرة للحدود يفرض على المجتمع الدولي صياغة حوكمة أمنية سيبرانية مستدامة.
إن نجاح هذه المقاربة يتوقف على مدى قدرة الدول الغربية على سد الثغرات القانونية والتكنولوجية في قطاع استضافة البيانات وفرض الرقابة على الأصول المشفرة لضمان منع إعادة تدوير هذه المنصات بما يحجم من قدرة نظام الملالي في إيران على استخدام القوة الافتراضية الناعمة لتثبيت مكاسبها الجيوسياسية على الأرض.



























