بقلم: د. مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
أزمة المؤسسات في هذا العصر ليست أنها تفتقر إلى المناصب، بل في أنها كثيرا ما تخطئ تعريف الوظيفة الحقيقية للمنصب نفسه. فالمنصب في جوهره ليس كرسيا إداريا، ولا درجة وظيفية، ولا امتدادا لمسار مهني متدرج، بل أداة إنتاج سياسي وإداري واقتصادي، تتحدد قيمته بقدرته على صناعة الأثر العام وفي زمن الرقمنة تغيرت طبيعة هذا الأثر بالكامل إذ لم تعد الدولة تدار فقط عبر القرارات، بل عبر البنية الرقمية التي تصنع القرار، وتوجه مساره وتراقب نتائجه.
ما حدث خلال العقد الأخير لم يكن مجرد تطور تقني، بل إعادة هندسة كاملة لفكرة الدولة ذاتها. الدولة الحديثة اليوم لم تعد تقاس فقط بصلابة مؤسساتها أو اتساع هياكلها بل بمدى قدرتها على تحويل البيانات إلى سلطة معرفية والذكاء الاصطناعي إلى كفاءة تشغيلية والرقمنة إلى قدرة سيادية في إدارة الزمن والخدمة والموارد وفي هذا التحول نشأ نوع جديد من المناصب مناصب لا تدار بالمنطق الإداري التقليدي بل بالعقل الرقمي القادر على قراءة التعقيد وتحويله إلى حلول.
المناصب الرقمية لم تعد وظائف تقنية هامشية داخل المؤسسات الحكومية بل أصبحت جزءا من البنية العميقة للدولة الحديثة. مدير التحول الرقمي، مسؤول البيانات، قائد الابتكار الحكومي، مهندس الأنظمة الذكية، مختص الحوكمة الرقمية جميعها لم تعد مجرد مسميات وظيفية بل مراكز تأثير مباشر في رسم كفاءة المؤسسة ومرونتها وقدرتها على البقاء في بيئة متغيرة.
لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند إنشاء هذه المناصب، بل عند اختيار من يشغلها.
هنا تحديدا تبدأ واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدا داخل الإدارة العامة: الخلط بين الخبرة والكفاءة، وبين الاستقرار والتكرار، وبين الثقة المؤسسية وإعادة تدوير الفرص.
في كثير من البيئات الحكومية يتم التعامل مع المناصب الحساسة وخصوصا الرقمية منها بمنطق مألوف يقوم على إعادة تدوير الأسماء ذاتها داخل مواقع مختلفة وكأن الحركة داخل النظام تعني التجديد بينما الحقيقة أن التغيير في الشكل لا يعني بالضرورة تغييرا في الجوهر. إعادة التدوير الإداري ليست دائما خللا، لكنها تصبح خللا حين تتحول إلى نمط مغلق يعيد إنتاج الفكر نفسه في بيئة تتطلب فكرا مختلفا.
فالرقمنة بطبيعتها لا تتسامح مع التكرار.
لأن العالم الرقمي قائم على التجدد السريع والمعرفة المتغيرة والتقنيات التي تتجاوز صلاحيتها الزمنية خلال فترات قصيرة “تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 44% من المهارات الأساسية للوظائف ستشهد تغيرا أو اضطرابا بحلول عام 2027“
كما وتؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الحكومات التي عززت جاهزية كوادرها الرقمية حققت تحسنا ملحوظا في كفاءة الخدمات العامة وجودة الأداء الحكومي.
فالمنصب الرقمي ليس موقعا تقنيا بحتا بل موقع سيادي لأن من يدير البيانات يدير المعرفة ومن يدير المعرفة يؤثر في القرار وفي عالم أصبحت فيه البيانات أحد أهم الأصول الاستراتيجية فإن الكفاءة الرقمية لم تعد قضية تشغيلية بل أصبحت جزءا من الأمن الإداري والاقتصادي للدولة.
في ظل الركود الاقتصادي، تزداد حساسية هذه القضية فالدول التي تواجه ضغوطا مالية لا تحتاج إلى تقليص الإنفاق فقط بل إلى تعظيم كفاءة الإنفاق وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمناصب الرقمية لأن المسؤول الرقمي الكفؤ لا يضيف عبئا على المؤسسة، بل يعيد هندسة مواردها ويختصر زمنها ويقلل هدرها ويرفع جودة قراراتها.
وتشير تقديرات ” McKinsey & Company ” إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التشغيلية يمكن أن يرفع مستويات الإنتاجية بنسب متفاوتة قد تصل في بعض القطاعات والتطبيقات إلى ما بين 20% و40% ” وهذا يعني أن المنصب الرقمي لم يعد ترفا تنظيميا بل استثمارا اقتصاديا مباشرا.
لكن هذا الاستثمار يفقد قيمته حين يدار بمنطق التكرار.
إعادة تدوير المناصب داخل الدائرة ذاتها لا تؤدي فقط إلى إعادة إنتاج الأشخاص، بل إلى إعادة إنتاج الإيقاع الإداري نفسه الإيقاع الذي يستهلك الزمن دون أن يصنع تحولا حقيقيا فالمشكلة في الدولة الحديثة لم تعد مرتبطة بمن يشغل الموقع بل بنوعية الوعي الذي ينتقل معه إلى الموقع وحين تتحرك المؤسسات بالعقلية ذاتها حتى مع تغير المسميات فإنها تبقى عالقة داخل النسخة القديمة من نفسها.
في البيئات التقليدية، كان الاستقرار الإداري ينظر إليه باعتباره عنصر أمان مؤسسي أما في البيئة الرقمية فإن الإفراط في الثبات يتحول تدريجيا إلى شكل من أشكال التراجع لأن التكنولوجيا لا تتعامل مع الزمن بوصفه وقتا إداريا، بل بوصفه قيمة إنتاجية وكل تأخير في تمكين الكفاءة أو تحديث أدوات القيادة أو إعادة تعريف معايير الاختيار يتحول تلقائيا إلى فجوة تنافسية يصعب تعويضها لاحقا.
والدولة التي تؤجل تمكين العقول القادرة على إدارة التحول لا تؤجل قرارا إداريا فحسب بل تؤجل جزءا من قدرتها على بناء المستقبل لأن المنصب الرقمي لم يعد تفصيلًا تنظيميا داخل المؤسسة بل نقطة تحكم في سرعة الدولة ومرونة خدماتها وكفاءة قراراتها وقدرتها على إدارة المعرفة باعتبارها موردا سياديا جديدا.
ولهذا، فإن أخطر أشكال الجمود الإداري لا يتمثل في بقاء الأشخاص بل في بقاء طريقة التفكير ذاتها رغم تغير المرحلة فبعض المؤسسات تحاول دخول المستقبل بعقلية صممت لعصر مختلف وتحاول إدارة التحول الرقمي بالأدوات البشرية نفسها التي اعتادت إدارة النمط التقليدي وهنا تتشكل الفجوة الحقيقية بين امتلاك التكنولوجيا والقدرة على توظيفها لأن التكنولوجيا بحد ذاتها لا تصنع التحول.
التحول تصنعه العقلية التي تعرف كيف تعيد تعريف المؤسسة من الداخل.
ولهذا فإن الكفاءة الرقمية لم تعد ميزة إضافية داخل الإدارة العامة بل أصبحت شكلا من أشكال الكفاءة السيادية للدولة فالعالم لم يعد ينقسم فقط بين دول غنية ودول فقيرة بل بين دول تملك عقلا رقميا قادرا على إدارة التعقيد ودول لا تزال تستهلك الزمن الإداري في إعادة تدوير الحلول نفسها تحت عناوين مختلفة.
المنصب الرقمي لا يحتاج إلى شخص يعرف كيف يدير النظام القائم فقط بل إلى شخص يمتلك القدرة على اكتشاف اللحظة التي يصبح فيها هذا النظام نفسه بحاجة إلى إعادة تصميم.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة بناء فلسفة الاختيار داخل المؤسسات الحكومية فالكفاءة الرقمية لا يمكن قياسها بمنطق الأقدمية وحده ولا بعدد السنوات الوظيفية بل بحجم الأثر الذي استطاع المرشح تحقيقه داخل المؤسسة. الأثر هو اللغة الحقيقية للقيادة الرقمية عدد الأنظمة التي تم تطويرها، حجم الوقت الذي تم اختصاره، نسبة التحسن في جودة الخدمة، والقدرة على تحويل البيانات إلى قرارات أكثر دقة وكفاءة.
كما أن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة لدعم عدالة الاختيار، من خلال تحليل مؤشرات الأداء وقياس الكفاءة المهنية وتتبع الإنجاز المؤسسي بصورة أكثر موضوعية بما يقلل من الانحيازات التقليدية التي كثيرا ما أضعفت وصول الكفاءات الحقيقية إلى مواقع القرار.
إن بناء قاعدة وطنية للكفاءات الرقمية لم يعد خيارا تنظيميا بل ضرورة استراتيجية لأن الدولة التي لا تعرف أين توجد عقولها ستبقى عاجزة عن توظيفها في اللحظة التي تحتاجها فيها فالكفاءات الرقمية لا تحتاج إلى الاحتفاء الخطابي بقدر ما تحتاج إلى منظومة عادلة تتيح لها الوصول، والتأثير، وصناعة الفرق.
الدولة التي تحصر المناصب داخل دائرة مغلقة تخسر أكثر من فرصة إدارية إنها تخسر ثقة العقول الجديدة بفكرة العدالة المهنية نفسها. وحين تفقد الكفاءات ثقتها بإمكانية الوصول تتحول المؤسسات تدريجيا إلى بيئات طاردة للابتكار ومستهلكة للطاقة البشرية بدلا من أن تكون منتجة لها.
وفي المقابل، فإن المؤسسة التي تجعل الكفاءة معيارا حقيقيا للاختيار لا تعيد فقط بناء هيكلها الإداري بل تعيد بناء ثقافتها بالكامل. لأن العدالة في توزيع الفرص لا تنتج موظفين أفضل فقط بل تنتج مؤسسات أكثر حيوية وأكثر قدرة على التجدد وأكثر استعدادا لمواجهة التحولات القادمة.
وفي الختام الدولة التي تمنح الفرصة للعقل القادر على التطوير لا تبني مؤسسة أكثر كفاءة فحسب بل تبني ثقافة وطنية تؤمن بأن الإنجاز هو الطريق الطبيعي إلى موقع القرار وهذه هي النقطة التي تتحول فيها الرقمنة من مشروع تقني إلى مشروع حضاري كامل فالأمم لا تتراجع حين تقل مواردها بل حين تهدر عقولها.
ولا تتقدم حين تمتلك التكنولوجيا فقط بل حين تمتلك الشجاعة الكافية لتسليم مستقبلها لمن يعرف كيف يصنعه.
فالعدالة المؤسسية في توزيع المناصب لا تتحقق بتكرار الفرص، بل بتحقيق التوازن بين الخبرة المتراكمة والكفاءة المتجددة
لأن المناصب الرقمية ليست مجرد وظائف في هيكل الدولة، بل هي مفاصل استراتيجية تحدد شكل المستقبل الإداري والاقتصادي للدولة. وحين تدار هذه المفاصل بعقلية الكفاءة يصبح التحول الرقمي مشروعا وطنيًا حقيقيا لا مجرد عنوان مؤسسي فالدول لا تتقدم بتدوير المناصب، بل بتدوير الفرص نحو من يمتلك القدرة على صناعة الفارق، لأن بناء المستقبل يبدأ دائما من حسن اختيار من يقوده.





























