بقلم: بلال علي الحسيناوي
تُثير المذكرة القانونية المرفوعة أمام المحكمة الاتحادية العليا من المدعية القانونية إنتظار مالك العظيمي تساؤلات جوهرية حول شرعية تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة مستندة إلى خروقات دستورية صريحة تمس هيكلية الدولة ومبدأ سيادة القانون. إن الحجج الواردة في اللائحة لا تكتفي بالجانب الإجرائي بل تنفذ إلى صلب المعايير الدستورية التي اشترطها المشرع العراقي في شاغلي المناصب العليا.
أولاً: انتفاء شروط الكفاءة والنزاهة
تستند الدعوى بشكل رئيسي إلى المادة 77من الدستور، والتي تشترط في الوزير ما يشترط في عضو مجلس النواب، مضافاً إليها معايير النزاهة والكفاءة إن الطعن يؤكد أن هذه الشروط ليست مجرد تحصيل حاصل، بل هي أركان جوهرية وأي خلل في إثباتها يجعل من قرار التكليف باطلاً بطلانًا مطلقًا لانعدام الركن المعنوي والموضوعي للاختيار.
ثانياً: التجاوز على صلاحيات المادة 76
تشير المذكرة إلى أن سلطة رئيس الجمهورية في التكليف، وفقاً للمادة 76 ليست سلطة تقديرية مطلقة، بل هي سلطة مقيدة بنصوص الدستور. إن أي انحراف في استعمال هذه السلطة عبر تكليف شخصية لا تتوافق مع التوازن الدستوري أو لا تلبي المتطلبات القانونية، يعد خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات المكتنز في المادة 47
ثالثاً: الضرر الواقع وسيادة القانون
إن ترشيح الزيدي؟! وفقاً للمدفوعات القانونية، يهدد الاستقرار الوظيفي والمالي لمؤسسات الدولة. فالمذكرة توضح أن استمرار تكليف غير مستوفٍ للشروط يؤدي إلى صدور قرارات إدارية ومالية مشوبة بعدم المشروعية، مما يلحق ضرراً مباشراً بالصالح العام وبحقوق الموظفين العموميين، استناداً إلى المادتين 5 و16 من الدستور اللتين تكفلان تكافؤ الفرص وسيادة القانون.
وفقاً للمنطق القانوني الذي طرحته المذكرة، فإن الإجابة يجب أن يكون نعم ؟! إذ تخلص اللائحة إلى أن قرار التكليف يفتقد للمشروعية الدستورية. فالتجاوز هنا ليس مجرد خطأ إجرائي بسيط، بل هو مخالفة جوهرية تضرب أساس التكليف.
رد فعل الجهة القضائية؟!
ما يترتب على هذه التجاوزات وفقاً للمطالب الواردة في المذكرة:
1. انعدام الأثر القانوني (البطلان المطلق)
بمجرد ثبوت عدم استيفاء المرشح للشروط المنصوص عليها في (المادة 77 النزاهة والكفاءة) أو مخالفة (المادة 76)يترتب على ذلك اعتبار قرار التكليف كأنه لم يكن وهذا يعني قانوناً أن كل ما يصدر عن المكلَّف من قرارات أو تفاهمات سياسية أو إدارية تُعتبر باطلة ولا تترتب عليها أي آثار قانونية ملزمة للدولة.
2. وقف التنفيذ العاجل (الأمر الولائي)
تطالب المذكرة المحكمة الاتحادية بإصدار أمر ولائي مستعجل. وهذا إجراء وقائي يهدف إلى تجميد عملية التكليف فوراً لحين حسم الدعوى.ومنع المكلَّف من ممارسة أي صلاحيات تنفيذية قد ترتب التزامات مالية أو إدارية على عاتق الدولة يصعب تداركها لاحقاً.
3. المسؤولية الدستورية على جهة الإصدار
التجاوز في الترشيح يضع جهة التكليف (رئيس الجمهورية في هذه الحالة) أمام مسؤولية دستورية !!! حيث تشير المذكرة إلى إساءة استعمال السلطة الدستورية والمطلب هنا هو إعادة عملية التكليف إلى مسارها الصحيح بما يتفق مع أحكام الدستور، وضمان عدم تجاوز الشروط المقيدة للسلطة.
4. حماية المصلحة العامة والمركز الوظيفي
يترتب على هذا الطعن حماية مؤسسات الدولة من الانحراف بالسلطة فالمذكرة تؤكد أن استمرار التكليف المشوب بالعيوب يؤدي إلى:
١-زعزعة الاستقرار القانوني في مؤسسات الدولة.
٢-إصدار قرارات إدارية ومالية “معدومة” قانوناً لأنها صادرة عن جهة غير مخولة دستورياً بشكل سليم.
ما يترتب على هذا التجاوز هو وجوب إلغاء التكليف والعودة إلى نقطة الصفر لاختيار مرشح تتوافر فيه الشروط الدستورية كاملة، مع تحميل الجهات المعنية التبعات القانونية والمصاريف الناتجة عن هذا الخرق.
بناءً على ما تقدم، يظهر أن ترشيح علي الزيدي يواجه عقبات دستورية صلبة؛ فالدستور ليس مجرد نصوص تنسق انتقال السلطة، بل هو سياج يحمي الدولة من التكليفات التي تفتقر للشرعية القانونية والموضوعية.
تتخذ المحكمة الاتحادية العليا في العراق مساراً إجرائياً دقيقاً عند التعامل مع مثل هذه الطعون، نظراً لحساسيتها السياسية وأثرها المباشر على عمل السلطات. إليك كيف تسير الأمور قانوناً:
1. مرحلة التدقيق والتبليغ
بمجرد تقديم الدعوى من قبل المدعية (الحقوقية انتظار مالك العظيمي)، تقوم المحكمة بتبليغ المدعى عليهما:وهم رئيس الجمهورية والسيد علي الزيدي (إضافة لوظيفتيهما) وتحديد موعد للمرافعة:حيث يتم منح الأطراف مهلة قانونية لتقديم الدفوع والردود على اللائحة المقدمة.
2. البت في الأمر الولائي والطلب المستعجل
بما أن المذكرة تضمنت طلباً بوقف تنفيذ قرار التكليف لحين حسم الدعوى،
فإن المحكمة قد تصدر قراراً مؤقتاً (أمراً ولائياً) إذا رأت أن هناك خطراً داهماً أو ضرراً يصعب تداركه.إذا استجابت المحكمة لهذا الطلب، تُجمد كافة صلاحيات المرشح فوراً حتى صدور الحكم النهائي
3. المرافعة العلنية وفحص الأدلة
تستمع المحكمة لدفوع الطرفين، وهنا تتركز المناقشة حول نقطتين:
الصفة والمصلحة:هل للمدعية حق في إقامة الدعوى؟ (المذكرة بررت ذلك بصفتها موظفة متضررة وكادر حقوقي).
الموضوع:هل خالف التكليف فعلاً المواد 76، 77، و47 ؟! يتم فحص الأدلة التي تثبت عدم استيفاء المرشح لشروط النزاهة والكفاءة؟!
4. صدور الحكم البات والمُلزم
تنتهي الإجراءات بصدور حكم من المحكمة الاتحادية ولهذا الحكم سيناريوهان:
1. رد الدعوى:إذا رأت المحكمة أن إجراءات التكليف سليمة وأن المرشح مستوفٍ للشروط.
2.الحكم ببطلان التكليف:إذا ثبتت المخالفات. في هذه الحالة، يصبح الحكم باتاً وملزماً لكافة السلطات وفق المادة 94 من الدستور ويُلغى التكليف فوراً وتُجبر رئاسة الجمهورية على اختيار مرشح آخر.
الآثار المترتبة على قبول الدعوى
إذا حكمت المحكمة بعدم الدستورية ؟! وهذا امر مستبعد من وجهة نظرنا فإن ذلك يمثل انتصاراً لسيادة القانون التي هدرت طيلة ٢٣عاما من عمر الاحتلال ويضع حداً لأي محاولة لتجاوز المعايير الدستورية في التعيينات العليا، كما يُحمل الجهات التي أصدرت القرار كافة المصاريف القانونية والرسوم.
اهمية المذكرة انها تعكس حالة من الإحباط الشائع تجاه المشهد القضائي والسياسي في العراق. عندما يشعر المواطن أو القانوني بأن (الميزان) مائل ؟! تصبح النصوص الدستورية -مهما كانت رصينة- مجرد حبر على ورق في نظر الكثيرين.
لكن، لنحلل الموقف من زاوية قانونية بحتة (بعيداً عن الجدل السياسي حول شخوص القضاء):
لماذا قد تتردد المحكمة في قبول مثل هذه المذكرة؟
تاريخياً، تميل المحكمة الاتحادية في القضايا المتعلقة بالمراكز السيادية العليا إلى استخدام مخارج قانونية معينة لتجنب الصدام مع الكتل الكبرى منها:
انعدام المصلحة:قد ترد المحكمة الدعوى بحجة أن المدعية (رغم كونها موظفة وحقوقية) لا تملك “مصلحة مباشرة وحالة” في شخص المكلف، وهو مخرج تقني يُستخدم لإغلاق القضايا الحساسة.
تكييف النزاهة والكفاءة فالمحكمة غالباً ما تعتبر أن تقدير الكفاءة ؟؟؟!!! هو شأن سياسي يقع ضمن صلاحية السلطة التي قامت بالتكليف (رئاسة الجمهورية) والتصويت (البرلمان) ولا تتدخل فيه إلا إذا كان هناك حكم قضائي بات (قيد جنائي) يخص النزاهة.
لماذا المذكرة مهمة؟
حتى لو كانت هناك شكوك حول استقلالية القضاء، فإن تقديم مثل هذه الطعون يخدم أهدافاً أخرى:
1.التوثيق التاريخي:تسجيل الخروقات دستورياً يجعلها مرجعاً في المستقبل ويحرج السلطة قانونياً أمام الرأي العام الدولي والمحلي.
2. الضغط الشعبي والسياسي:أحياناً تُستخدم هذه الطعون كورقة ضغط لدفع المرشح للانسحاب أو لإجبار الكتل على استبداله لتجنب صداع القضاء.
بصراحة وواقعية:
القانون في العراق غالباً ما يصطدم بجدار كوارث التوافقات السياسية وإذا كان ما تقوله حول تسييس القضاء دقيقاً !!! فإن المسطرة التي ستُقاس بها المذكرة لن تكون مواد الدستور (76 و77)، بل ميزان القوى على الأرض.ومع ذلك يبقى المسار القانوني هو السلاح الوحيد المتاح للمتخصصين لمحاولة كبح جماح ظواهر التجاوزات الكثيرة حتى لو كانت النتائج غير مضمونة.



























