بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
قد يرى البعض لعنوان مقالتي تعبيراً مجازياً يصف الاستقرار المؤقت أو التسويات السياسية والاجتماعية القابلة للانهيار في أي لحظة ، كونه يرمز حالة “الاتفاق الهش” إلى الهدوء الظاهري، بينما يمثل “الرماد الملتهب” الأزمات العميقة أو الخلافات الجذرية المشتعلة تحته والتي لم يتم حلها بعد، ما ينذر بعودة الصراع في أية لحظة ، ولهذا نعتقد الاتفاق بين امريكا وايران ليس وصفا مجازيا بقدر ماهو متوقع لقادم الايام التي ستثبت ان مذكرة التفاهم التي أُعلنت بين أمريكا وإيران لإنهاء الحرب هي بالفعل “اتفاق هش” يواجه مخاطر الانهيار رغم إعلان الطرفين وقف العمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز، إلا أن الخلافات الجوهرية المؤجلة تمثل “الرماد الملتهب” الذي يسبق الاشتعال لعوامل واقعية تجعل هذا الاتفاق مهدداً ومؤقتاً للاسباب التالية:
- مهلة الـ 60 يوماً الحرجة ليست معاهدة دائمة ، بل هو مذكرة تفاهم تمنح الطرفين مهلة مؤقتة فقط للتفاوض على الملفات المعقدة (أبرزها البرنامج النووي) خصوصاً بعد تهديد الرئيس ترامب بالعودة فوراً إلى الخيار العسكري أو فرض وصاية بحرية في حال فشل الاتفاق.
- تضارب الروايات والاشتراطات حول مضمون بنود الاتفاق ، حيث تبدي طهران حذراً شديداً وتصر على أن الأولوية تتمثل برفع العقوبات بالكامل والإفراج عن 24 مليار دولار من أموالها المجمدة، في حين تصر واشنطن على مبدأ “الأداء مقابل الإعفاء” وترفض تسليم أي أموال قبل التزام إيران الفعلي.
- الرفض والتمرد الإسرائيلي المتمثل باعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحةً ، أن قواته لن تنسحب من جنوب لبنان بموجب هذا الاتفاق، كما صرح إيتمار بن غفير بأن الاتفاق “لا يلزم إسرائيل”، ما يضع التهدئة الإقليمية على المحك في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية.
- صراع الأجنحة والتفسيرات التي تتعلق بما يروجه المسؤولون في طهران للاتفاق باعتباره “انتصاراً تاريخياً”، حيث يواجه ترامب انتقادات داخلية من صقور الحزب الجمهوري الذين يرون الاتفاق ضعيفاً، ما يضع ضغوطاً سياسية هائلة على الطرفين قد تدفعهما لنقض التعهدات.
- أذرع إيران (محور المقاومة) هما أكبر “الألغام السياسية” الكفيلة بتفجير ورقة الاتفاق الأمريكي-الإيراني بالكامل اثر تسريبات بنود مذكرة التفاهم الحالية التي تركزت بشكل أساسي على إنهاء العمليات العسكرية المباشرة وفتح مضيق هرمز، مع تأجيل أو استبعاد ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي، وهو ما ترى فيه إسرائيل تهديداً وجودياً لها.
إسرائيل ” العقبة التي ستفشل الاتفاق أو تتمرد عليه
تفيد التقارير أن المسودة الحالية المبرمة بين إدارة ترامب وطهران تستثني القيود على برنامج إيران للصواريخ الباليستية والمسيرات، وتركز فقط على الملف النووي ومضيق هرمز التي تعتبرها اسرائيل تغرة كبيرة لايمكن السكوت عنها ما يجعل مصير الاتفاق مرهون بطمانة اسرائيل فعلياً وليس انشائياً كونها تمثل معضلة خطيرة للأمن الإسرائيلي ، حيث ترى تل أبيب أن أي اتفاق لا يفكك ترسانة طهران الصاروخية هو “اتفاق سيئ” يمنح إيران فرصة لإعادة التسلح بعد الضربات التي تلقتها، ولن تقبل إسرائيل بتهدئة تترك مدنها تحت رحمة الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى ، كما تمثل عقبة مصير الأذرع الإقليمية (الجبهة اللبنانية والسورية) ، حيث يطالب الاتفاق بوقف فوري ودائم للأعمال العدائية على كافة الجبهات، بما فيها لبنان ، الامر الذي رفضه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والمستوى العسكري الذي معه أنهم غير ملزمين ببنود الاتفاق ولن ينسحبوا من جنوب لبنان ، حيث ترى أن بقاء أذرع إيران (مثل حزب الله) على حدودها، دون تفكيك كامل للقدرات العسكرية، يمثل قنبلة موقوتة لن تسمح بها.
ولهذا تخشى إسرائيل ، أن يؤدي الاتفاق الأمريكي إلى تكبيل يدها دبلوماسياً في المنطقة في حال شعرت ، أن إدارة ترامب تقدم تنازلات لطهران (مثل رفع عقوبات النفط والإفراج عن 24 مليار دولار) دون معالجة خطر الصواريخ والأذرع ، الامر الذي يجعلها تلجأ إلى استمرار الضربات الأحادية داخل العمق الإيراني أو في سوريا ولبنان ، ما يجعل الرد الايراني قاسياً عليها وهذا يعني انهيار الهدنة الأمريكية تلقائياً.
النتائج والتوقعات
نعتقد بعد انتهاء النصف الأول من مهلة الـ 60 يوماً الحرجة، سيقف الاتفاق الأمريكي الإيراني على مفترق طرق حاسم من حيث المؤشرات الميدانية والسياسية التي ستسمح صياغة سيناريوهات واضحة لفرص النجاح أو الفشل، والنتائج المترتبة على كل مسار ، حيث تتجه المؤشرات الحالية نحو الفشل لعدة أسباب، أبرزها إعلان إيران مؤخراً عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 100% (المستوى العسكري) رداً على اتهامها بخرق المذكرة، إلى جانب الموقف الإسرائيلي المتصلب ، ما يجعل الصدام الإسرائيلي الإيراني المباشر حاضراً وبقوة في حال رفضت إسرائيل الاتفاق واستمرت بعملياتها في لبنان وسوريا ، ما يعني بالمقابل رداً ايرانياً سيؤدي إلى انهيار الهدنة الأمريكية تلقائياً والتصعيد العسكري في العمق.
ان نجاح الاتفاق يتعلق بقدرة إدارة ترامب على صياغة صفقة براغماتية تقوم على مبدأ “الأداء مقابل الإعفاء” وتفكيك الألغام تدريجياً و قبول إيران بوضع قيود صارمة وجديدة على برنامجها النووي، مقابل اعتراف واشنطن بحقها في الطاقة السلمية ورفع العقوبات النفطية ، اضافة تحجيم النفوذ الإقليميالذي قد يفرضه النجاح على طهران تقديم تنازلات مؤلمة تتعلق بتقليص دعمها المالي والعسكري لأذرعها في المنطقة لضمان عدم استهدافهم من واشنطن واسرائيل ولها نعتقد ان النتيجة الأقرب للواقع هي “اتفاق الحد الأدنى”؛ أي تمديد المهلة أو التوصل إلى اتفاق جزئي يمنع الحرب الشاملة ويؤمن تدفق النفط، لكنه يترك ملفات الصواريخ الباليستية والتهديدات الإسرائيلية معلقة كقنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت ، كون هذا الاتفاق قد صُمم لتلبية أولويات واشنطن الاقتصادية والانتخابية (تأمين النفط في هرمز وإنهاء الحرب)، لكنه ترك الهواجس الأمنية لإسرائيل دون حل، ما يجعل إسرائيل والميليشيات الإيرانية الطرفين الأكثر ترشيحاً لـ “إشعال الرماد” وعصف الاتفاق في أي لحظة .


























