بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
ان الايمان بفكرة وجود انقسام داخل القرار الإيراني ليست خاطئة ، لكنها تحتاج ضبط: ما يجري غالبًا ليس انقسامًا بالمعنى التقليدي الذي يعني وجود صراع علني أو كسر داخل النظام ، او تباين في مراكز القوة داخل النظام المعقد.
في إيران، القرار لا يصدر من جهة واحدة، بل من عدة دوائر متداخلة بعد اغتيال المرجع الاعلى السيد علي خامنئي ، صاحب الكلمة النهائية ، على الرغم من كونه لا يتخذ القرار بمعزل عن التوازنات الداخلية ، يأتي من بعده الحرس الثوري الإيراني الذي يميل إلى الخيارات الأمنية والتصعيد المدروس، وله نفوذ عسكري واقتصادي كبير ومن ثم تاتي المؤسسة التنفيذية (الرئاسة ووزارة الخارجية) التي تنتهج الاسلوب البراغماتي لتخفيف الضغوط ، ثم تأتي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي تركز على حماية النظام داخليًا ومنع الاختراق.
هل نحن أما صراع أم انقسام؟
بعد اصابة المرشد مجتبى خامنئي ومجهولية مصيره صحياً وسياسياً ، ظهرت أزمة قرار في ايران ماجعلها في الواقع أمام صراع مركب ومتناقض بين ثلاث اجنحة ، تتمثل بتيار متشدد: يرى أن الضغط الأمريكي لا يُواجه إلا بالرد القوي (عسكريًا أو عبر الوكلاء في المنطقة) وهذا التيار المتشدد اطرافه الكبرى هما قائد الحرس الثوري الايراني”أحمد وحيدي” وقائد مقر خاتم الانبياء المركزي “عبد اللهي ابادي”المسؤول عن تنسيق العمليات العسكرية للجيش والحرس الثوري الايراني ومحمد باقر قاليباف رئيس البرلمان، وتيار محافظ :يتمثل بالرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وبعض الشخصيات السياسية والاكاديمية ، ينتهجون سياسة الاحتواء والتفاوض لكسب الوقت وتخفيف العقوبات، والدخول في تفاهمات مرحلية، وتيارمعتدل: يسعى الى الوسطية ،يخشى من أن أي تصعيد كبير قد يهدد الاستقرار الداخلي سواء بالعامل الاقتصادي او من خلال شرارة الاحتجاجات وغياب الشرعية.
وقد ظهر هذا التباين بسبب الضغط الخارجي غير مسبوق من خلال العقوبات والتهديدات العسكرية وتعدد ساحات المواجهة (العراق ودول الخليج والبحر الأحمر) اضافة الى حساسية المرحلة ، على اعتبار ان أي قرار خاطئ قد يؤدي إلى حرب شاملة أو انهيار اقتصادي ، مايعني اننا أمام تخبط في اتخاذ القرار ، خصوصاً ان النظام الإيراني تاريخيًا يجيد إدارة هذه التباينات ضمن “إطار منضبط”، حيث تُطرح الآراء المختلفة لكن القرار النهائي يُوحد الصف ، مايعني اننا لسنا امام نقسامًا يُضعف الدولة بالضرورة، بل “صراع اتجاهات” داخل نظام مغلق يحاول اختيار أقل الخيارات كلفة في لحظة شديدة التعقيد ، اذن نحن أمام تيار أقوى يمسك بزمام الامور في اتخاذ القرار اطلقت عليه (المرشد الثوري) ونقصد به الحرس الثوري الايراني.
من يحسم اتخاذ القرار؟
المعلوم ان النظام الإيراني مبني على معادلة الحرس الثوري الذي يدفع نحو القوة يقابله الحكومة التي تدفع نحو تخفيف الضغط والمرشد الذي يوازن بين بقاء النظام وهيبته ، مايعني ان الطرف الاقوى هو الحرس الثوري الذي يملك القرار في ظل وجود ضبابية لدور المرشد التي تتضارب التقارير حول صحته الجسدية والعقلية بعد اصابته بالضربة الامريكية – الاسرائيلية التي تسببت بمقتل المرشد الاعلى علي خامنئي وكبار القادة السياسيين والامنيين والطرف الممعتدل المتمثل برئيس الجمهورية والبرلمان ووزير الخارجية الذي يدور حول مصطلح “اللا حرب واللا سلم” وهذا ما يجعل القرار الايراني امام نقطة تحول في لحظة يصبح فيها أحد الخيارين أقل كلفة من الآخر احدهما يعتقد أن التصعيد لم يعد قابلًا للضبط وتهدئة أصبحت ضرورية للبقاء.
النتائج:
ان الولايات المتحدة لا ترى هذا “انقسامًا يجب حسمه”، بل تراه أداة يمكن استثمارها ، على اعتبار ان الرئيس ترامب هو صانع القرار في واشنطن سواء في البيت الأبيض أو المؤسسات الأمنية مايجعل تعامله مع إيران كـ نظام متعدد الأصوات، وليس ككتلة واحدة للعب على التناقضات على اعتبار ان أمريكا تحاول تقوية طرف على حساب آخر دون إعلان ذلك ، فهي تضغط عسكريًا لإضعاف نفوذ الحرس الثوري الإيراني وتفتح قنوات دبلوماسية لإعطاء مساحة للتيار البراغماتي لجعل كلفة التصعيد أعلى داخل إيران نفسها لذلك تستخدم سياسة “العصى والجزرة”.
- العصا: تتمثل بالتهديدات العسكرية والعقوبات المشددة والاستهداف غير مباشر لحلفاء إيران
- الجزرة: تتمثل بإشارات إمكانية تخفيف العقوبات وقبول التفاهمات الجزئية وعدم السعي لإسقاط النظام
وهي رسالة واضحة مفادها ان (التصعيد سيكلفكم… والتفاوض سينقذكم) وهذا يعني تفكيك وحدة القرار الإيراني بدل المواجهة للكل وذلك لعزل القرار العسكري عن السياسي وإظها أن التصعيد يخدم الحرس الثوري فقط وأن الخاسر الاكبر في هذا الانقسام والصراع على اتخاذ القرار هو الشعب الإيراني فقط




























