بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يبدو ان تبني باكستان الوساطة بين طرفين متناقضين كالولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الاسلامية الايرانية ، رغم صعوبة الجمع بينهما في معظم القضايا لاسباب عديدة جلها طبيعة النظام السياسي والفكري والعقائدي لكلا الطرفيين ، ومن هنا تأتي الى الاسباب الموجبة التي دفعت اسلام اباد القيام بدور الوسيط بين واشنطن وطهران، يمكن فهمها من خلال مصالحها السياسية والإقليمية:
1. الحفاظ على الاستقرار الإقليمي
من المعلوم ان باكستان تقع في منطقة حساسة قريبة من الخليج وإيران وأفغانستان، وأي تصعيد بين أمريكا وإيران قد يؤدي إلى اضطرابات تؤثر مباشرة على أمنها الداخلي، لذلك تسعى لتخفيف هذا التوتر.
2. علاقات متوازنة مع الطرفين
- ترتبط باكستان بعلاقات استراتيجية وعسكرية قوية مع الولايات المتحدة الامريكية.
- وفي نفس الوقت، لديها علاقات جيدة مع إيران (جغرافياً وحدود مشتركة وتعاون اقتصادي) هذا التوازن يجعلها مؤهلة للعب دور وسيط.
3. حماية مصالحها الاقتصادية
لأن أي صراع في المنطقة قد يؤثر على:
- إمدادات الطاقة
- التجارة الإقليمية
- المشاريع المشتركة (مثل خطوط الغاز مع إيران)
4. تجنب الانقسام داخل العالم الإسلامي
باكستان تحاول منع تصاعد الصراع بين الدول الإسلامية بوجه خاص والمنطقة بوجه عام وأن التوترات قد تزيد الانقسامات الطائفية.
5. تعزيز مكانتها الدولية
الوساطة تمنح باكستان دورًا دبلوماسيًا أكبر وتظهرها كدولة قادرة على حل النزاعات، مما يعزز مكانتها عالميًا.
6. ضغوط أو طلبات دولية
في بعض الأحيان، قد تطلب قوى كبرى أو حلفاء من باكستان التدخل بسبب علاقاتها الجيدة مع الأطراف المختلفة وكذلك مكانتها العسكرية الكبيرة. واذا اردنا ان نعيد عقارب الزمن قليلاً نجد ان باكستان كانت ضمن الوساطة بين البلدين عام 2019 حين تصاعد التوتر بشكل كبير بينهما بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الذي نتج عنه فرض عقوبات على إيران ووقوع حوادث مماثلة في الخليج العربي بعد تبادل الاتهامات بين الخصمين العنيدين.
دور القيادة الباكستانية
قام رئيس وزراء باكستان السابق “عمران خان” بمحاولة الوساطة بين واشنطن وطهران بايعاز خاص من الرئيس دونالد ترامب ، الامر الذي دفع خان الى زيارة طهران ولقاء القيادة الإيرانية ونقل رسائل تهدئة بين الطرفين.
أهداف الوساطة
- منع اندلاع حرب في الخليج
- تقليل التصعيد العسكري
- فتح باب للحوار غير المباشر
ولكن رغم الجهود، لم تحقق الوساطة نتائج كبيرة بسبب انعدام الثقة العميق بين أمريكا وإيران واستمرار العقوبات والضغوط وأحداث لاحقة تمثلت باغتيال الجنرال قاسم سليماني في 2020، الامر الذي زاد التوتر.
الفشل والمخاطرة سيان لوساطة باكستان
بالتأكيد، لأن الفشل قد يؤدي إلى احراج دبلوماسي مايعني أنها غير قادرة على التأثير ، يضاف الى ذلك خشية فقدان الثقة من أحد الطرفين أو كليهما وكذلك إذا فُسِّر موقفها كتحيز لطرف معين ، اما اذا اردنا ان نستبق الاحداث ونؤمن بفرضية المخاطرة ، الا اننا بنفس الوقت نعطي الحق لاسلام اباد بالفائدة تحت مبدأ ان الفشل يشكل أقل ضرراً من نشوب الحرب وتأثيراتها على أمن باكستان واقتصادها ولهذا تحرص باكستان على أن تظهر كطرف محايد نسبيًا، وليس كضامن للنتائج ، كونها بمثابة حمامة سلام تنقل الرسائل بين المتخاصمين اكثر من كونها تفرض الحلول وهذا سيقلل من مسؤوليتها في حال فشلت الجهود التفاوضية الدبلوماسية ، مايعني تعزيز مكانتها الدولية حتى مع الفشل لان مجرد الدخول في وساطة بين قوتين كبيرتين يعطيها وزنًا سياسيًا، حتى لو لم تنجح بالكامل.
ان لدى باكستان حسابات داخلية وإقليمية لتجنب أي تصعيد قرب حدودها وكذلك الحفاظ على توازنها بين القوى الكبرى ، مايعني انها تخشى الفشل نعم، لكنها تحسبه مخاطرة مقبولة، لان عدم التدخل قد يكون اخطر بكثير من فشل الوساطة وعليه يمكن ان نضع معادلة رقمية لنسب النجاح والفشل ، سيما وان اسلام اباد نجحت في فرض هدنة الاسبوعين بعد الدور الصيني الضامن وعليه نجد ان الفارق بين نسب النجاح والفشل لاتتجاوز 10% رغم علم الجميع ان الوساطة الباكستانية انقذت المفاوضات في اللحضات الاخيرة من الانفجار مع مراعاة ان الغالبية اعطت حكمها بفشل الهدنة لهشاشتها بسبب حدة الشروط الامريكية وتعنت الموقف الايراني بالنسبة للملف النووي الايراني ومضيق هرمز ، خصوصاً وان ايران لها سابقة في رفض المبادرات الباكستانية ، بدليل تضارب التصريحات بين امريكا وايران والموقف الاسرائيلي المنفرد الذي يقابله اذرع ايران العسكرية في العراق ولبنان واليمن.
سيكون تاريخ 11/4/2026 حافلاً بالمفاجئات وسيحبس العالم باجمعه انفاسه بما سيخرج من قاعة المفاوضات ، خصوصاً وان الوفد الامريكي سيتراسه نائب الرئيس ترامب “جي دي فانس” فيما سيقود رئيس البرلمان الايراني “محمد باقر قاليباف” ، الا اننا يجب ان نضع في حساباتنا العلاقة بين اسلام اباد وطهران وبكين ومايمكن ان ينتج في هذه العلاقة على الموقف الحيادي من وجهة نظر واشنطن
النتائج والتوقعات
يمكن القول ان هناك عدة اطراف رابحة وخاسرة في هذه المعادلة: اولاً (رابح تكتيكي) يتمثل باسلام اباد على اعتبار انها نجحت تكتيكياً في وقف القتال بين المتحاربين بشكل مؤقت ، الا انها لم تنجح استراتيجياً ، وفشلت بعقد اتفاق دائم مايعني ، ان الوساطة نجحت مرحليًا بنسبة جيدة، لكنها مهددة بالفشل في أي لحظة إذا لم تتحول الهدنة إلى اتفاق شامل ، مع الاخذ بنظر الاعتبار مبدأ الربح الخسارة للاطراف المتصارعة والوسيطة وهذا مايجعل باكستان هو الطرف الرابح الاكبر ، على اعتبار انها خرجت من دور “الدولة الهامشية” إلى وسيط دولي معترف به عزز مكانتها بين الولايات المتحدة وايران والصين ودول الخليج العربي بعد ان قدمت نفسها كبديل دبلوماسي غير تقليدي لقطر وسلطنة عمان. ثانياً: (رابح ذكي) يتمثل بالولايات المتحدة الامريكية كونها قد حصلت على وقف مؤقت للهجمات على قواعدها مايمنحها فرصة لإعادة التموضع عسكريًا مع تهدئة مؤقتة لأسعار النفط والاهم من ذلك ان أمريكا كسبت “وقتًا” بدون تقديم تنازلات كبيرة. ثالثاً: (رابح حذر) يتمثل بايران على اعتبار انها أوقفت استنزافاً عسكرياً واقتصادياً من ضربات محتملة لمنشآتها الحيوية وحافظت على أوراق الضغط في مضيق (هرمز واذرعها القتالية في المنطقة وعدم حسم ملف برنامجها النووي)رابعًا: (رابح استراتيجي صامت) يتمثل بالصين كونها دعمت الوساطة من الخلف وعززت فكرة ان العالم لم يعد يدار من قبل واشنطن فقط وانها قادرة استقرار إمدادات الطاقة وتوسيع النفوذ السياسي في الشرق الأوسط.
خامساً: (الخاسر الاكبر استراتيجياً) يتمثل بإسرائيل كونها كانت تفضّل شن ضربة أمريكية قوية لإيران تعيدها الى عصر ماقبل الصناعة ، الا ان الهدنة أوقفت هذا السيناريو وهذا يعني ان ايران ستبقى قوية واستمرار برنامجها النووي دون حسم.




























