بقلم:الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
هذه واحدة من القضايا التي تستحق إعادة قراءة في الاقتصاد الأردني فالمملكة التي اعتادت طويلا التعامل مع الطاقة باعتبارها كلفة تضغط على الاقتصاد تمتلك موردا طبيعيا واسعا الشمس لكن امتلاك المورد لا يعني امتلاك الثروة فالثروة تبدأ عندما يتحول المورد إلى إنتاج والإنتاج إلى صناعة فاعلة والصناعة إلى شركات منتجة وأسواق ووظائف وقيمة مضافة.
خلال عقد واحد انتقلت الطاقة المتجددة في الأردن من حضور محدود إلى مكون رئيسي في منظومة الكهرباء وبحسب وزارة الطاقة والثروة المعدنية بلغت مساهمة مشاريع الطاقة المتجددة نحو 27% من استهلاك الكهرباء عام 2024 مع هدف للوصول إلى 31% بحلول 2030 وهذا تحول مهم لكنه يفتح مرحلة اقتصادية أوسع وهي انتقال الطاقة من كونها قطاعا منتجا للكهرباء إلى كونها مدخلا للإنتاج في قطاعات الاقتصاد كافة.
فالطاقة الشمسية تستطيع خفض كلفة تشغيل المصانع وكذلك دعم الزراعة وتشغيل مرافق المياه وتحسين كفاءة المباني وتوفير مصدر أقل انبعاثا للبنية التحتية الرقمية وعندما تدخل الطاقة في هذه الدورة تصبح قيمتها أكبر من سعر الكهرباء التي تنتجها لأنها تخفض كلفة الإنتاج وتزيد القدرة التنافسية وتفتح مجالا لاستثمارات جديدة.
وتؤكد حركة السوق العالمية هذا التحول فقد بلغ متوسط تكلفة الكهرباء من الطاقة الشمسية الكهروضوئية عالمياً 0.043 دولار لكل كيلوواط/ساعة في 2024 مقابل 0.034 دولار للرياح البرية فيما كانت 91% من مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة واسعة النطاق التي دخلت الخدمة في ذلك العام أقل تكلفة من أرخص بديل جديد قائم على الوقود الأحفوري وفق الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
بالنسبة للأردن تعني هذه المعادلة أن الطاقة التنافسية يمكن أن تتحول إلى أداة للسياسة الصناعية فبدلا من الاكتفاء بإنتاج الكهرباء يمكن توظيفها في جذب صناعات تبحث عن كلفة تشغيل أقل وبصمة كربونية أكثر ملاءمة للأسواق العالمية بحيث تصبح الطاقة جزءا من القدرة التصديرية للاقتصاد المستدام.
وهنا يكتسب الذكاء الاصطناعي أهمية مختلفة فإنتاج الطاقة الشمسية والرياح متغير كما أن الطلب على الكهرباء يتغير باستمرار ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع كفاءة المنظومة عبر التنبؤ بالإنتاج والاستهلاك وإدارة التخزين وموازنة الأحمال واكتشاف الأعطال وتحسين أداء المصانع والمباني والشبكات.
وفي المقابل يرفع الذكاء الاصطناعي الطلب على الكهرباء وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يصل استهلاك مراكز البيانات عالميا إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030 مقارنة بنحو 415 تيراواط/ساعة في 2024. وهذا يجعل الطاقة الموثوقة والتنافسية جزءا من البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي الجديد .
ولا يحتاج الأردن إلى منافسة مراكز البيانات العالمية بحجمها بقدر حاجته إلى بناء البيئة التي تجعل الاستثمارات الرقمية المتقدمة ممكنة طاقة موثوقة ،تخزين ، شبكات ذكية، اتصالات، أمن سيبراني، بنية سحابية، وتشريعات ومهارات متخصصة وفي الوقت نفسه يمكن أن تنشأ شركات أردنية تطور برمجيات لإدارة الطاقة وأنظمة للبطاريات ومنصات لتحليل الاستهلاك وحلولا للشبكات الصغيرة والصيانة التنبؤية.
وتظهر قيمة هذا التكامل بوضوح في المياه أيضا فالطاقة تدخل في الضخ والنقل والمعالجة ولذلك فإن رفع كفاءة استهلاكها ينعكس مباشرة على كلفة المياه ويمكن للذكاء الاصطناعي تحسين التنبؤ بالطلب واكتشاف التسريب وتشغيل المضخات ومحطات المعالجة بكفاءة أعلى وربط التشغيل بتوافر الطاقة المتجددة.
ويمتد المسار إلى الهيدروجين الأخضر كذلك حيث لا تكمن الفرصة في إنتاج الوقود وحده وإنما في بناء سلسلة قيمة حوله تشمل الأمونيا والوقود منخفض الكربون والخدمات الهندسية والتخزين والنقل والتطبيقات الصناعية وكل مرحلة إضافية من القيمة تبنى داخل الأردن تعني معرفة وفرص عمل واستثمارا أكبر للاقتصاد المحلي.
وهذا المنطق يجب أن ينعكس أيضا على الاستثمار الأجنبي فالمشروع الأكثر قيمة ليس بالضرورة الأكبر حجما وإنما الأكثر قدرة على نقل المعرفة وتطوير الموردين المحليين وتدريب الكفاءات وتوسيع البحث والتطوير وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الأردنية.
ولدى الأردن قاعدة يمكن البناء عليها فقد دعمت برامج صندوق تشجيع الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة تركيب 33 ألف سخان شمسي و8,440 نظاما للطاقة الشمسية إلى جانب استبدال 206 آلاف وحدة إنارة بأخرى موفرة للطاقة وفق وزارة الطاقة والثروة المعدنية.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من نشر التكنولوجيا إلى تعظيم مردودها الاقتصادي فلا يكفي قياس النجاح بعدد الميغاواطات الأهم هو ما تولده هذه الطاقة من مصانع أكثر تنافسية وشركات جديدة ووظائف نوعية وتقنيات محلية واستثمارات ومنتجات تصل إلى الأسواق الخارجية فالميغاواط مادة خام للثروة.
ومن هنا يستطيع الأردن بناء ميزة لا تقوم على منافسة الدول الكبرى في حجم إنتاج الطاقة وإنما على إنتاج قيمة أعلى من كل وحدة طاقة عبر وصل الشمس بالصناعة والذكاء الاصطناعي بالمياه والطاقة بالبيانات والبحث العلمي بالسوق وريادة الأعمال بالمشكلات الاقتصادية الفعلية عندها تتحول الطاقة من مورد طبيعي إلى أصل اقتصادي
لقد تغيرت طبيعة المنافسة العالمية لم تعد الدول تتنافس فقط على مصادر الطاقة بل على الصناعات التي تجذبها الطاقة والتكنولوجيا التي تشغلها والمعرفة التي تنتجها والأسواق التي تصل إليها.























