مقدمة
يواجه العراق أزمة حقوقية خطيرة تهدد حياة وأمن المواطنين، حيث تواصل السلطات العراقية والقوى المسلحة انتهاك الحقوق الأساسية للشعب دون رادع. على الرغم من الإدانات الدولية، لا تزال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تتفاقم في ظل غياب الإرادة السياسية للإصلاح وضعف سيادة القانون.
إن استمرار هذه الانتهاكات في ظل صمت المجتمع الدولي وتقاعسه يمثل خذلانًا واضحًا للضحايا، ويؤدي إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.
يطالب مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان المجتمع الدولي بتفعيل آليات المراقبة الدولية المستقلة على الوضع الحقوقي في العراق، بما يضمن إجراء تحقيقات شفافة وفرض عقوبات على المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
أولًا: ملف المختطفين والاختفاء القسري:
تعد عمليات الاختفاء القسري في العراق واحدة من أخطر الجرائم ضد الإنسانية التي تشكل تهديدًا مباشرًا لحق الحياة والحرية، إذ تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن أعلى نسبة لضحايا الاختفاء القسري في العالم تسجل في العراق، ويتراوح عددهم بين 250 ألفا ومليون شخص، بينما تتورط جهات أمنية وفصائل الحشد الشعبي والمليشيات الولائية المسلحة في هذه الجرائم دون أي مساءلة أو تفسير، بالرغم تقديم مشروع قانون بشأن الأشخاص المفقودين في أغسطس/آب 2023، إلا أن القانون لم يُجرم عمليات الاختفاء القسري بشكل واضح، ولم يحدد عقوبات للمتورطين.
المطالب:
• تشكيل لجنة دولية مستقلة للكشف عن مصير المختطفين.
• فرض عقوبات على الجهات المتورطة في الاختفاء القسري.
• إجبار السلطات العراقية على نشر نتائج التحقيقات.
ثانيًا: انتهاكات السجون والتعذيب الممنهج
تعتبر السجون العراقية مراكز تعذيب ممنهج، حيث يتم انتهاك حقوق المعتقلين بشكل يومي. تؤكد تقارير موثقة أن ممارسات التعذيب تستخدم بشكل واسع لانتزاع الاعترافات تحت الإكراه، مما يعد خرقًا جسيمًا لاتفاقية مناهضة التعذيب التي وقع عليها العراق.
الانتهاكات الموثقة:
• انتزاع الاعترافات بالإكراه والتعذيب الجسدي والنفسي.
• الحرمان من العلاج الطبي.
• الاعتقال التعسفي دون تهم رسمية.
• انتشار الامراض الجلدية وغيرها من الأمراض المعدية بين المعتقلين، وتردي الحالات الصحية قد يصل إلى الموت في كثير من الأحيان.
• الطعام سيئ جدًا، ويفتقد لأهم مكونات الطعام الأساسية.
• إثارة النعرات الطائفية وابتزاز المعتقلين داخل السجن من سب وطعن بمعتقدات المعتقلين.
• الابتزاز المالي للسجناء واهاليهم في دخول الأدوية او بعض الملابس الداخلية او الحاجات الضرورية الأخرى.
• إهانة ذوي المعتقلين عند التفتيش قبل المقابلات وأحيانا يحرمون من زيارات الأهل.
المطالب:
السماح بزيارات دولية مفاجئة للسجون من قبل منظمات حقوقية.
إنشاء لجنة أممية لمراقبة السجون العراقية.
إطلاق سراح جميع المعتقلين دون محاكمة عادلة.
ثالثًا: الاعتقالات العشوائية واستهداف الناشطين
تواصل السلطات العراقية استهداف الناشطين والصحفيين الذين يعبرون عن آرائهم بحرية. خلال عام 2024، تم تسجيل مئات الاعتقالات بحق ناشطين دون مذكرات قضائية، حيث انتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب أو بناءً على معلومات من مخبر سري إضافة إلى اغتيالات طالت رموز الحراك الشعبي.
الانتهاكات:
اختطاف الناشطين على يد جهات مجهولة.
اعتقال الصحفيين بتهم ملفقة.
التهديد والترهيب للمدافعين عن حقوق الإنسان.
آلاف المعتقلين داخل السجون بسبب أكاذيب المخبر السرّي.
اغتيالات للأفراد بناءً على انتماءاتهم الطائفية أو آرائهم السياسية.
المطالب:
وقف جميع الاعتقالات التعسفية فورًا.
ضمان الحماية القانونية للناشطين والصحفيين.
تشكيل آلية دولية لمراقبة حرية التعبير في العراق.
تجميد القوانين المتعلّقة بالمُخْبِر السرّيّ، وعدم اعتبار إخبارهم أدلّة باتّة وشهادات قطعيّة الدلالة.
رابعًا: الفساد والإفلات من العقاب
يعد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة أحد الأسباب الرئيسية لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق. يحتل العراق مراتب متقدمة عالميًا في مؤشرات الفساد، بينما يتمتع المسؤولون الفاسدون بحصانة سياسية ومحمية بقوة السلاح من الميليشيات تحول دون محاسبتهم، مما يُفاقم الوضع الاقتصادي ويؤثر سلبًا على الخدمات العامة، ويمتد هذا الفساد إلى جميع مفاصل الدولة منها الأجهزة الأمنية في البلاد، وكثيرا ما يقوم كبار المسؤولين العسكريين ومسؤولي الشرطة بتأمين مناصبهم من خلال الرشوة والولاء للفصائل السياسية بدلا من الخبرة والجدارة، وهذا لا يضعف قدرة العراق على مكافحة التهديدات الداخلية والخارجية فحسب، بل يعزز أيضا ثقافة الإفلات من العقاب.
الانتهاكات المرتبطة بالفساد:
نهب الأموال العامة.
منح العقود الحكومية بطرق غير قانونية.
إفلات كبار المسؤولين من العقاب.
شل جميع الجهود لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
الاستيلاء على مناصب الدولة عن طريق الرشاوي والولاء للفصائل السياسية.
أنشئت في العراق مؤسسات كثيرة لمكافحة الفساد، تسببت بتضارب مهامها في طمس الحقائق. كما تم استخدامها في الكثير من الأحيان لاستهداف المعارضين السياسيين.
المطالب:
فرض عقوبات دولية على الشخصيات المتورطة في الفساد.
تفعيل دور بعثة الأمم المتحدة في العراق لمراقبة الإنفاق العام.
تجميد أصول المسؤولين المتورطين في عمليات الفساد.
إصلاح منظومة الحكم المبنية على الارتجالية والفوضى.
خامسًا: التمييز الطائفي والانتهاكات المجتمعية
يواجه المواطنون العراقيون، تمييزًا طائفيًا ممنهجًا في التوظيف والخدمات العامة. تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وزيادة حدة التوترات بين مكونات المجتمع الواحد، وخلق بيئة غير مستقرة تزيد من معاناة المدنيين.
المطالب:
إلغاء جميع القوانين والسياسات التي تقوم على التمييز الطائفي.
ضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تمييز.
تعزيز دور بعثة الأمم المتحدة في مراقبة الحقوق المدنية والسياسية.
سادسًا: دعم المجتمع الدولي للطبقة السياسية الفاسدة
رغم الإدانات الدولية، يستمر المجتمع الدولي في دعم الحكومة العراقية الحالية، رغم تورطها في الفساد والانتهاكات الممنهجة. إن استمرار هذا الدعم يمثل تواطؤًا واضحًا مع الانتهاكات ويعزز مناخ الإفلات من العقاب.
المطالب:
وقف الدعم الدولي غير المشروط للحكومة العراقية.
اشتراط أي مساعدات دولية بتحسين سجل حقوق الإنسان.
تفعيل آليات الرقابة الدولية على استخدام المساعدات الإنسانية.
سابعًا: دور الميليشيات المسلحة خارج سيطرة الدولة
تواصل الميليشيات المسلحة، وخاصة بعض فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران، ممارسة سلطتها خارج سيطرة الدولة. تورطت هذه الفصائل في عمليات خطف، ابتزاز، واغتيالات دون أي مساءلة قانونية.
المطالب:
إدراج جميع الميليشيات المتورطة في الانتهاكات ضمن قوائم العقوبات الدولية.
نزع سلاح الميليشيات وإخضاعها لرقابة دولية.
إنشاء لجنة أممية لمراقبة تدخل الميليشيات في الشؤون السياسية والأمنية.
محاسبة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان.
ثامنًا: الإفلات من العقاب
لا تزال السلطات العراقية تتجاهل الدعوات لمحاسبة المتورطين في عمليات القمع الوحشي ضد المتظاهرين، حيث لم تتم محاكمة أي من المسؤولين عن مقتل ما لا يقل عن 1,018 متظاهرًا منذ احتجاجات 2019.
المطالب:
إنشاء محكمة دولية خاصة للتحقيق في جرائم القتل والانتهاكات.
فرض عقوبات على جميع المتورطين في القمع الوحشي.
تعويض عائلات الضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات
.التوصيات النهائية
إن استمرار الوضع الحالي دون تدخل دولي صارم سيؤدي إلى انهيار كامل لمنظومة حقوق الإنسان في العراق.
يدعو مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان إلى:
1. تعيين مقرر أممي خاص لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان في العراق.
2. فرض عقوبات دولية على المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
3. إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة للكشف عن مصير المختفين قسريًا.
4. إشراف دولي على الإصلاحات القضائية والمؤسسات الأمنية.
5. تعليق المساعدات الدولية المشروطة بتحسين سجل حقوق الإنسان.
6. الضغط على الحكومة العراقية للتوقيع على البروتوكولات الدولية المتعلقة بمناهضة التعذيب والاختفاء القسري.
7. إصلاح منظومة الحكم المبنية على الارتجالية والفوضى.
8. تطبيق الدستور فيما يتعلق بتشكيل المجلس الاتحادي ليكون رقيبا على إصدار القوانين وتحقيق العدالة في إدارة الدولة، بعد ضمان صعود عناصر فاعلة ونزيهة، ثم إعادة تشكيل المحكمة الاتحادية من قبل البرلمان وليس عن طريق التعيين، لما لها من قرارات خطيرة واجبة التنفيذ بحكم الدستور، لتجنب ظاهرة الإفلات من العقاب وضمان استقلالية القضاء، بتطبيق مبدأ فصل السلطات.
9. القضاء على ظاهرة تفشي السلاح خارج نطاق الدولة، ابتداء بحظر الميليشيات الحزبية وحمل السلاح وإعادة تنظيم قوات الأمن لتكون بعيدة عن التحزب والموالاة.
10. إرساء مبدأ المساءلة من خلال أنظمة الرصد وصنع القرار الشفاف، المبنية على قانون من أين لك هذا، مع تعزيز منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة ودعم المساءلة البرلمانية، وأجهزة الرقابة المالية والمحاسبية في تدقيق ومراقبة أداء المؤسسات الحكومية.
خاتمة
إن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في العراق يمثل خطرًا على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. في ظل غياب الإرادة السياسية للإصلاح الداخلي، يصبح المجتمع الدولي مسؤولًا بشكل مباشر عن حماية حقوق الإنسان في العراق.
يطالب مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات الحقوقية بتفعيل آليات المراقبة الدولية المستقلة وفرض عقوبات على جميع المتورطين في الانتهاكات.
إن أي صمت أو تهاون في مواجهة هذه الجرائم يعد تواطؤًا مباشرًا مع منظومة الفساد والقمع في العراق.
مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان – جنيف
مارس 2025




























