بقلم: د. عطية العلي
رأيتُ قبل مدة صورة لفتت انتباهي؛ في نصفها العلوي مجموعة من الشباب يحمل كلّ واحد منهم هاتفاً يحدّق في شاشته، وأما النصف السفلي فيُظهر أناساً ينتظرون الحافلة وكلٌّ منهم يمسك جريدة يقرأها، هذه الصورة دفعتني للتفكير في التغيّر الكبير الذي مررنا به نحن والأجيال اللاحقة.
في طفولتنا كانت القراءة جزءاً من حياتنا اليومية، نقرأ الجريدة من أولها لآخرها، نتابع الأخبار، نفك الكلمات المتقاطعة، ونغوص في المجلات الأدبية ومجلات الأطفال. كان الشغف بالقراءة يملأ أيامنا، حتى أصبحت الجريدة أو الكتاب صديقاً لا يفارقنا، وهذا كله كوّن لدينا رصيداً لغوياً وأدبياً ما زلنا نفخر به.
ثم جاءت فترة التسعينات، فبرز الشعر الشعبي والنبطي بقوة، وظهرت مجلات وقنوات تُعنى به، وأصبح “الديوان الصوتي“ منافساً للمكتوب. ومع ذلك بقي الأدب الفصيح والشعبي حاضراً ومتألقاً.
مع بداية الألفية دخلنا عصر السرعة، وانتقلنا من صفحات الشعر والقصص إلى مقاطع الفيديو السريعة على الإنترنت ووسائل التواصل. حتى القرآن والأذكار صار بعض الناس يقرؤونها من الهاتف بدلاً من المصحف.
إنها ليست مجرد عادة تغيّرت، بل ثقافة كاملة انقلبت من الورق إلى شاشات الهواتف والحواسيب، ومع أن هذا التحوّل جلب فوائد كثيرة، فصار بإمكان المرء تصفح آلاف الكتب في لحظات، إلا أنه في المقابل جعل الناس يعزفون عن القراءة والكتابة الورقية بشكل ملحوظ.
انعكس هذا على أبنائنا وطلابنا؛ فضعفت لديهم ملكة الكتابة، وأصبح الخط عند بعضهم لا يكاد يُقرأ، وقلّ شغفهم بالمطالعة، حتى إن كثيراً منهم يفضّل مشاهدة مقطع قصير على قراءة صفحة من كتاب.
إننا لا نلوم أبناء هذا الجيل وحدهم، فالتطور التكنولوجي فرض نفسه، لكن تبقى مسؤوليتنا كأولياء ومربين أن نعيد للكتاب مكانته في بيوتنا ومدارسنا. ونغرس حب القراءة، فهي زاد العقول وروح القلوب، وبها ينهض الجيل ويُصنع المستقبل.


























