بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
ستتجه العلاقة بين دول الخليج العربي وإيران نحو التطبيع الدبلوماسي الهادئ والتعايش البراغماتي الحذر، مع سعي دول الخليج لفرض نفسها كطرف رئيسي ومؤثر في أي ترتيبات أمنية تخص المنطقة، وذلك لتجنب دفع ثمن أي صراعات مستقبلية أو صفقات تُبرم على حساب أمنها القومي والاقتصادي ، فيما تُمثل الخلايا التجسسية والتخريبية الإيرانية التي جرى تفكيكها مؤخراً في دول مجلس التعاون الخليجي ، عقبة رئيسية تُعمق أزمة انعدام الثقة، وتكشف الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي لطهران وأنشطة “أجهزة الظل” الاستخباراتية التابعة للحرس الثوري وتتشكل ملامح العلاقة المستقبلية مع طهران في عدة مسارات رئيسية لفترة ما بعد اتفاق جنيف تتضمن:
- مفاوضات وترتيبات أمنية مستقلة: حيث بدأت دول الخليج التحضير لعقد “قمة مصالحة” إقليمية لاستعادة الاستقرار، وتتجه الأنظار نحو المملكة العربية السعودية لاستضافة هذه المحادثات التي لاقت قبول ايران التي أبدت استعدادها لعقد اتفاقيات أمنية واقتصادية مع دول الخليج، وتهدف هذه الخطوات للوصول إلى ضمانات أمنية ملزمة تحمي أمن الأقليم.
- أزمة مضيق هرمز: تسعى الدبلوماسية الخليجية، بقيادة قطر وسلطنة عُمان، لإدارة ملف الملاحة في المضيق وتهدف الرؤية الخليجية الموحدة إلى ضمان حرية تدفق الطاقة والتجارة ورفض فرض طهران لأي رسوم ملاحية أو أمنية جديدة.
- تسيير العلاقات وفق مبدأ “الردع والمصالح”: يبقى التوتر التاريخي وانعدام الثقة قائماً في العواصم الخليجية، لذا يرتكز النهج الخليجي على بناء قدرات دفاعية موثوقة تعزز الردع الذاتي، بالتوازي مع استمرار الحوار الدبلوماسي لتقليل مخاطر المواجهة.
تداعيات الاتفاق الأمريكي – الايراني على دول الخليج
تدرك العواصم الخليجية ، أن أي اتفاق إيراني-أمريكي قد لا يشمل تفكيك اذرعها في المنطقة والتي تعتبرها طهران غير قابلة للنقاش ، ما يدفع دول الخليج للاعتماد على قدراتها الاستخباراتية الذاتية واليقظة الأمنية المشتركة دون الركون للتعهدات الدبلوماسية وتضع دول الخليج “كف يد” الحرس الثوري عن اختراق أمنها الداخلي كشرط أساسي لنجاح أي “قمة مصالحة” أو بناء علاقات اقتصادية مستدامة مع طهران والضغط على بغداد لمنع امتداد هذه المليشيات المدعومة من ايران التي استخدمت الساحة العراقية لشن هجماتها على المنشآت الخليجية) قد يدفع دول الخليج للضغط بالتعاون مع واشنطن لإلزام الحكومة العراقية بنزع سلاح هذه الجماعات وتفكيكها بالكامل ، مع الاخذ بنظر الأعتبار تراجع ثقتها بالحليف الأمريكي واضطرارها للتعايش البراغماتي ، فيما ترى بعض العواصم الخليجية ، أن هرولة إدارة ترامب لتوقيع الاتفاق تعكس تحولاً جذرياً يكرّس واقعاً لا يلبي طموحاتها وتولدت قناعاتها بأن واشنطن تبحث عن مصالحها أولاً، ما دفعها الى تبني عامل التهدئة وتجنب المواجهة المباشرة، انطلاقاً من مبدأ “الاتفاق السيئ أفضل من الحرب المفتوحة” ولهذا سعت واشنطن الى طمأنة دول الخليج ، من خلال جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في المنطقة (الكويت، الإمارات، البحرين) كمحاولة لاحتواء هذا القلق والتأكيد على بقاء الالتزامات الأمنية.
ولعل ما يثير المخاوف الحقيقية لدول الخليج من هذا الاتفاق تكمن بعدم معالجته قدرات طهران الصاروخية وشبكات طائراتها المسيّرة، وهي الأسلحة التي استُهدفت بها منشآت نفطية وحيوية في الكويت والإمارات والبحرين خلال فترة الحرب الأخيرة ، اضافة الى خشيتها ان يؤدي تدفق الموارد المالية (صندوق الـ 300 مليار دولار المقترح لإيران) والإفراج عن الأصول المجمدة، سيعيد إنعاش الاقتصاد الإيراني ويزيد من جرأة طهران في دعم فصائلها المسلحة وخلاياها السرية بالمنطقة وكذلك المعادلة الملاحة الجديدة في مضيق هرمز الرافضة لأي وقائع أو رسوم ملاحية جديدة، مع ضمان حرية تدفق الطاقة والتجارة العالمية دون وصاية إيرانية.
شكل ونوع العلاقة الجديدة
تتجه العلاقة الجديدة بين دول الخليج وإيران نحو مرحلة من “السلام البارد” والتعايش البراغماتي الحذر، مدفوعة بالواقع الجديد الذي فرضته “مذكرة تفاهم إسلام آباد” بين واشنطن وطهران الذي أنهى واقع المواجهة العسكرية المباشرة، وأجبر الطرفين على صياغة قواعد اشتباك جديدة ترتكز على التهدئة الدبلوماسية مع الحفاظ على خطوط الردع الأمني ، ما يجعل الانفتاح مع طهران حذراً و ستشهد الفترة المقبلة تبادلاً للزيارات الرسمية وتنشيطاً للمسارات الدبلوماسية، مدفوعاً بدعوات إيرانية لعقد اتفاقيات أمنية واقتصادية مباشرة مع دول الخليج في ظل غياب الثقة الكاملة، حيث تدرك العواصم الخليجية أن التقارب الحالي هو خيار اضطراري لإدارة المخاطر؛ لذا لن تتخلى دول الخليج عن بناء قدراتها الدفاعية الذاتية (منظومات الدفاع الجوي والصاروخي) لضمان عدم استفراد طهران بالمنطقة وستسعى دول الخليج وخاصة خاصة “الإمارات وقطر” لفرض شروط تضمن حرية التجارة وتمنع إيران من استخدام المضيق كأداة للابتزاز أو فرض رسوم جديدة ، فيما سيبقى ملف الخلايا النائمة بمثابة الجرح النازف في العلاقات؛ حيث تؤمن دول الخليج أن طهران لن تفكك شبكاتها التجسسية والتخريبية في المنطقة وبالتالي، ستتخذ العلاقة شكلاً ثنائياًتتمثل بدبلوماسية معلنة فوق الطاولة، وحرب استخباراتية صارمة تحت الطاولة لإحباط أي نشاط للحرس الثوري ، مع الأبقاء على سياسة الضغط السياسي قائماً من خلال التعاون مع واشنطن لتحييد خطر الفصائل المسلحة التابعة لإيران في العراق واليمن، لمنع استخدامها كأوراق ضغط ضد الأمن الخليجي، ورغم فرض الاتفاق على دول الخليج ، الا انه جعلها تبنى “الاعتماد على الذات”، ما يغير طبيعة علاقتها مع إيران من دور “التابع للموقف الأمريكي” إلى طرف أصيل ومباشر يفاوض على أمنه القومي.

























