بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
بُنيت هندسة النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 على توازنات “المحاصصة والتوافق” بين الكتل الكبرى (الشيعية، والسنية، والكردية)، وأي محاولة للمساس بزعامات الخط الأول قد تنسف هذا النظام من جذوره وتؤدي إلى منزلقات خطيرة ، فالتسريبات التي خرجت من اجتماع الإطار التنسيقي كشفت للمرة الأولى عن تباين واضح بين منطق الحكومة في إدارة المعركة، ورؤية بعض القوى السياسية التي رأت أن مداهمات “الفجر الأبيض” تجاوزت الخطوط التقليدية للتوافق السياسي وهناك خشية حقيقية وجدية تثير قلق الأوساط السياسية والمراقبين من تداعيات توسع هذه الحملة، لما قد يترتب عليها من إرباك للمسار السياسي وزعزعة لمستقبل العملية السياسية بأكملها وبحسب تلك التسريبات، اعترض ثلاثة من قادة الإطار على أسلوب تنفيذ الاعتقالات، مطالبين بإبلاغهم مسبقاً بأي حملة جديدة تستهدف شخصيات محسوبة على قواهم، إلا أن الزيدي أغلق هذا الباب سريعاً، متسائلاً عن الضمانات التي تمنع تسريب المعلومات أو تمكين المطلوبين من الهرب، في إشارة تعكس أن الحكومة قررت إدارة الملف بعقلية أمنية وقضائية لا بمنطق التفاهمات السياسية وهذا العمل هو نتاج تفاهم أمريكي – عراقي .
صراع البقاء … لمن الغلبة
المشهد يبدو كمعركة “كسر عظم” بين إرادة حكومية تسعى لفرض هيبة الدولة وبين شبكات مصالح عميقة تجذرت على مدى عقدين ونيف من الزمن ، حيث أن الضربة الأخيرة لم تستهدف أفراداً فقط، بل أصابت البنية التي أنتجتهم، لأن معظم المواقع التنفيذية تشكلت على أساس المحاصصة، وهو ما جعل الحملة تتحول من ملف قضائي إلى معركة تمس نفوذ القوى السياسية نفسها ومن هنا، فإن رفض الزيدي إبلاغ القيادات الحزبية بأسماء المطلوبين قبل تنفيذ أوامر القبض لم يكن مجرد موقف أمني، بل إعلاناً بأن زمن التسويات المسبقة قد يكون في طريقه إلى الانتهاء وان هذا السجال لا يعكس خلافاً إجرائياً بقدر ما يكشف عن بداية مواجهة بين مشروعين: الأول يحاول إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها صاحبة القرار في تطبيق القانون، والثاني ما يزال يتعامل مع مؤسساتها بوصفها امتداداً للتوازنات الحزبية التي حكمت المشهد منذ عام 2003 ويمكن قراءة وتوقع ميزان القوى الحالي بناءً على الأسباب التالية:
- عوامل قوة منظومة النفوذ
- شيد النظام السياسي على آليات تغذي الفساد وتوفر الحماية لزعماء الخط الأول، وتغيير الأشخاص أو الإطاحة بالصف الثاني لن يفكك المنظومة بالكامل ما لم يتغير النظام الإداري والمالي.
- أوراق الضغط الأمني والمالي التي تمتلكها القوى التقليدية من أذرع اقتصادية وفصائل مسلحة قادرة على زعزعة الاستقرار في أي لحظة يتم فيها تجاوز “الخطوط الحمراء”، وهو سلاح ردع قوي ضد أي اندفاعة حكومية مطلقة.
- تكتيك “الامتصاص والدعم العلني” الذي دفع بعض الأقطاب الكبار إلى إعلان دعمهم العلني لحملة الزيدي (مثل قوى الإطار التنسيقي) لحصر الحملة في تصفية حسابات الصف الثاني وحماية الرؤوس الكبيرة من الاستهداف المباشر.
- عوامل قوة الزيدي وحكومته
- الزخم القضائي المباغت الذي ادى الى نجاح الحملة ومصادرة مبالغ ضخمة في قضية وكيل وزارة النفط ومصادرة أكثر من 85 مليون دولار والذهب) يمنح الزيدي مصداقية قوية أمام الشارع.
- الدعم الإقليمي والدولي المتصاعد الذي حظى به الزيدي بإشادات دولية وخليجية واضحة تشترط نجاح الحملة وحصر السلاح بيد الدولة مقابل استمرار الاستثمارات والتعافي الاقتصادي للعراق.
- التغييرات الهيكلية في مفاصل الدولة والإطاحة برؤساء الأجهزة الأمنية (الأمن الوطني، مستشارية الأمن القومي) ومحافظ البنك المركزي يمثل محاولة جادة لبناء خط دفاع حكومي صلب لحماية الحملة.
- الأقرب للواقع “تعادل تكتيكي”
تتجه التوقعات الى التسويات والصفقات الخلفية ، كون الغلبة المطلقة لن تكون لأي طرف بشكل كامل فالسيناريو الأرجح هو تحقيق مكسب سياسي ونقاط لصالح الزيدي عبر إدانة واسترداد أموال من شخصيات الصف الثاني، مقابل تراجع حدة الحملة وتوقفها عند حدود “حيتان الخط الأول” لتجنب انهيار العملية السياسية، ما يجعل المعركة تنتهي بـ “تسوية واقعية” تضمن بقاء الدولة واستمرار الحكومة بسياسة الضغط الى يمكنها من قبول صفقات “الأموال مقابل الحرية”، ما يُفرغ الحملة من عمقها القانوني ويحولها إلى مجرد أداة لإعادة ترتيب التوازنات المالية وهذا ماتريده الولايات المتحدة الأمريكية الراعية لهذا الفساد المتجذر والخشية من انهيار العملية السياسية ما يجعل المعركة تنتهي بـ “تسوية واقعية” تضمن بقاء الدولة واستمرار الحكومة
يرى محللو الأزمات الدولية أن الغلبة المطلقة لن تكون لأي طرف بشكل كامل؛ فالسيناريو الأرجح هو تحقيق مكسب سياسي ونقاط لصالح الزيدي عبر إدانة واسترداد أموال من شخصيات الصف الثاني، مقابل تراجع حدة الحملة وتوقفها عند حدود “حيتان الخط الأول” لتجنب انهيار العملية السياسية، مما يجعل المعركة تنتهي بـ “تسوية واقعية” تضمن بقاء الدولة واستمرار الحكومة ويمنحها الهدوء النسبي للتحرك داخلياً وتثبيت ركائز “دولة المؤسسات” قبل حدوث أي ارتدادات سياسية عنيفة
النتائج والتوقعات
نعتقد أن المعركة الحالية في بغداد تجاوزت مسألة “من يحكم” لتصبح معركة حول “طبيعة الدولة ومستقبلها”؛ فإما أن تنجح “صولة الفجر” في فرض سيادة القانون وتطوي حقبة المحاصصة، وتفكيك شبكات الصف الثاني والثالث و الإطاحة بوكلاء الوزارات، المدراء العامين، والمحافظين (كما حدث مع وكلاء النفط ومسؤولي الخطوط الجوية) مع الاخذ بنظر الاعتبار الغطاء الدولي والدعم الشعبي في رؤية عراق مستقر اقتصادياً وخالٍ من غسيل الأموال، وربط الإصلاح المالي بفرص الاستثمار، ولهذا نعتقد ان الزيدي لن ينجح الزيدي في خلق “ريتز عراقي” كما حصل في السعودية يطال زعامة الخط الأول للأحزاب ، الا انه قد ينجح في وضع “قواعد سلوك جديدة” تلجم تغول الفساد في المؤسسات التنفيذية، وتسترد مليارات الدولارات، شريطة التزام الحملة بالشفافية المطلقة ومبتعدة عن الانتقائية السياسية ، من خلال ابلاغ كبار حيتان الفساد ونعني بذلك زعماء الكتل السياسية بتسليم 75% من الأموال التي سرقوها ، مقابل ضمان غلق ملفات فسادهم وعدم ملاحقتهم قضائياً وهذا ماتريده أمريكا وادواتها في العراق.





























