بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تمثل “أذرع إيران” في المنطقة تهديداً رئيسياً للأمن والاستقرار الإقليميين، حيث تعمل كأدوات ردع واستنزاف تابعة لطهران. تهدف هذه الجماعات الموزعة في لبنان، والعراق، واليمن إلى تشتيت الخصوم ورفع التكلفة السياسية والعسكرية لأي قرارات استراتيجية وتتوزع أدوار هذه الجماعات والميليشيات على عدة مسارات رئيسية تتمثل باستراتيجية الردع والاستنزاف ،من خلال تغير دور هذه الأذرع من أدوات هجوم مباشر إلى عناصر ردع، بهدف إبقاء المنطقة في حالة توتر مستمر ورفع كلفة أي عمل عسكري أو سياسي مضاد لإيران يقوم على أساس بناء شبكات سرية وخلايا نائمة في دول الجوار، ما يشكل تهديداً للأمن الداخلي من خلال عمليات التخابر وجمع الأموال ، حيث تعمل الفصائل المسلحة في دول مثل العراق ولبنان واليمن على إضعاف سيادة الدولة، ما يعقد الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الداخلي.
ورقة ايران الرابحة لتعويض خسارتها في الحرب
تعد فعالية الأذرع الإقليمية في تعويض خسائر إيران العسكرية والسياسية محدودة جزئياً وعاجزة عن تحقيق تعويض كامل أو تغيير ميزان القوى الاستراتيجي. فرغم قدرتها على الإشغال وإيقاع خسائر اقتصادية، فإن الفجوة التكنولوجية والعسكرية الهائلة لصالح حلف (واشنطن-تل أبيب) حيدت الكثير من أوراق القوة الإيرانية وتتركز نقاط القوة والفعالية من خلال نجاح شبكة الفصائل في فتح جبهات متزامنة (حزب الله في الشمال، والحوثيون في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والفصائل العراقية)، ما تسبب في تشتيت منظومات الدفاع الجوي وتوزيع الجهد الاستخباراتي الأمريكي والإسرائيلي وكذلك الاستنزاف الاقتصادي والملاحي ، حيث أثبتت هجمات الحوثيين البحرية فعالية عالية كأداة ضغط سيادية واقتصادية وفرضت تكاليف باهظة على حركة الشحن الدولي وعقدت حسابات واشنطن وحلفائها وقد مكنت هذه الأذرع طهران من امتصاص الصدمات الأولية لضربات الحلفاء، وتحويل المعركة من هجوم خاطف يستهدف إسقاط النظام إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة على الرغم من تأكل وسائل الردع وتراجع القدرات ، اثر تعرض الأذرع الرئيسية، لا سيما حزب الله في لبنان، لضربات قاسية أفقدتها قادة مركزيين وبنى تحتية حيوية، الأمر الذي حد من قدرتها القيادية وجعلها تبحث عن صيغ لترتيبات أمنية جديدة وسيادية لبلدانها ، حيث لم تستطع الأذرع العسكرية حماية العمق الإيراني من الآثار المدمرة للحصار البحري والجوي (مثل تصفير الصادرات النفطية عبر جزيرة خرج في بعض الفترات) جعلها ان تكون أدوات عسكرية وليست حلولاً نتيجة تفكك غرف القيادة والسيطرة في ذروة العمليات العسكرية، حيث لوحظ تراجع أو كبح جماح بعض الفصائل عن الدخول في “مواجهة شاملة”، وهو ما يفسر ، إما لرغبة طهران في الاحتفاظ بها كأوراق تفاوضية أخيرة، أو نتيجة لتعطل شبكات الاتصال والقيادة بين طهران وفصائلها.
ما تداعيات بقاء أذرع ايران وسبل اجهاض خطرها
يكمن الحل في اجهاض خطر أذرع ايران في المنطقة على تجفيف المنابع المالية وفرض رقابة صارمة على الاقتصاد الموازي، وشبكات تهريب المخدرات (مثل الكبتاجون)، وتبييض الأموال التي تعتمد عليها الميليشيات للتمويل الذاتي والتركيز على عمليات الاغتيال الدقيقة وشل منظومات القيادة والسيطرة عبر الهجمات السيبرانية، ما يفقد الفصائل توازنها التنظيمي وبناء مظلة دفاعية إقليمية و تفعيل منظومات دفاع جوي وصاروخي مشتركة لحياد سلاح المسيرات والصواريخ الباليستية التي تمنح الأذرع ميزة الردع وتقوية مؤسسات الجيش والأمن من خلال دعم الجيوش النظامية والأجهزة الاستخباراتية الوطنية مالياً وعسكرياً لتكون القوة الوحيدة القادرة على فرض النظام ، مع الابقاء على استراتيجية الصدمة والترهيب العسكري، من خلال توجيه ضربات استباقية ومستمرة لمستودعات الأسلحة وخطوط الإمداد في سوريا واليمن ولبنان والعراق لمنع إعادة بناء قدراتها العسكرية ولعل الحل الناجع لوأد خطرها يكمن بدمج وحصر السلاح و تفعيل القوانين التي تجبر الفصائل والمليشيات على تسليم سلاحها أو دمجه بالكامل تحت مظلة الجيوش النظامية (مثل الجيش اللبناني أو القوات المسلحة العراقية) والقيام بأصلاحات سياسية وأقتصادية سد الثغرات السياسية والتنموية التي تستغلها طهران لتوفير بيئة حاضنة لفصائلها، وذلك عبر دعم الاقتصادات المحلية وهياكل الحوكمة و تطويق وقطع طرق الإمداد والاستمرار في استهداف مخازن الأسلحة، ومصانع تجميع المسيرات، ومراكز التدريب التابعة للحرس الثوري لتقويض قدراتها التشغيلية مسبقاً ، مع اشتراط التعاون الاقتصادي في ربط أي تفاهمات، أو استثمارات، أو انفتاح اقتصادي إقليمي مع طهران بمدى التزامها بوقف دعم الوكلاء وإنهاء التدخل في شؤون الدول الأخرى ، مع تفعيل المسار الدولي القائم على العقوبات والضغط الدبلوماسي وتجميد الأصول و ملاحقة قنوات التمويل السري والمؤسسات المالية الواجهة التي تغذي الميليشيات، وفرض تصنيفات إرهابية مشددة على قادتها واستثمار القرارات الأممية لتفعيل آليات الضغط القانوني (مثل عقوبات مجلس الأمن المعروف بـ”الية الزناد” لتقييد قدرة إيران على المناورة وتصدير السلاح.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان الأذرع الإيرانية تستطيع رفع كلفة الحرب وإدامة التوتر لمنع الحلفاء من إعلان “انتصار سياسي كامل”، لكنها لا تملك القدرة العسكرية على تعويض الخسائر الاستراتيجية لطهران، أو حماية بنية إيران التحتية ونظامها من الضربات المباشرة والتكنولوجية المتفوقة ولن ينتهي تهديد الأذرع بالضربات العسكرية وحدها، بل بإنهاء مفهوم “الدولة داخل الدولة”، واستعادة السيادة الكاملة للعواصم العربية على قرارها الأمني والسياسي ، عبر نجاح استراتيجيات الاحتواء والإجهاض وتقويض مشروع “وحدة الساحات عزل هذه الأذرع جغرافياً وعملياتياً، ما يفقد إيران قدرتها على تحريك جبهات متعددة في وقت واحد.
وفي حال فشل التطبيق واستمر الوضع الراهن بما يعرف بحالة اللاحرب واللاسلم سيتم تصيعد حدة المواجهة من جديد ، ما يدفع طهران الى تطوير ترسانة الأذرع تكنولوجياً ، في حال استغلت هذه الأذرع غياب الحظر الصارم لتهريب أسلحة أكثر ذكاءً (مثل غواصات مسيرة وصواريخ فرط صوتية)، ما يرفع كلفة الحماية العسكرية الأمريكية والغربية في المنطقة وسيؤدي الى تآكل كامل لسيادة الدول و تتحول اليمن ولبنان وسوريا والعراق إلى “دول فاشلة” رسمياً، وتصبح الحكومات الشرعية مجرد واجهات دبلوماسية بلا نفوذ حقيقي على أرض الواقع ، قد يجر المنطقة إلى حرب مباشرة ومفتوحة تشمل أطرافاً دولية.


























