بقلم: زياد المشهداني
ما يجري في المشهد العراقي اليوم لا يمكن قراءته كأحداث متفرقة أو ضغوط عابرة. نحن أمام مرحلة إعادة ضبط عميقة، يتقاطع فيها العامل الداخلي مع الإقليمي والدولي، وفي القلب منها يقف ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه مفتاح التحول الحقيقي.
الموقف الأمريكي، وخصوصًا في سياق إدارة ترامب، لم يعد يكتفي بالتصريحات العامة حول الاستقرار والسيادة، بل بات يربط بوضوح بين مستقبل العلاقة مع بغداد وبين معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة. وهذه المقاربة لا تقف وحدها؛ فهناك مزاج دولي أوسع، غربي وعربي، يرى أن استقرار العراق الحقيقي يبدأ من إنهاء ازدواجية القرار الأمني وبناء دولة قادرة على فرض القانون.
في المقابل، تظهر مواقف إقليمية متحفظة أو رافضة، تدرك أن أي نجاح عراقي في هذا المسار سيعيد رسم موازين النفوذ، لا داخل العراق فقط، بل في المنطقة ككل. وهذا ما يفسر حساسية المرحلة، وهدوءها الظاهري المشوب بإشارات عميقة، حيث تدار التحولات اليوم بأدوات أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا.
الأهم أن الداخل العراقي لم يعد كما كان. الخطاب الرسمي تغير، والسقف السياسي ارتفع، والحديث عن “الدولة” لم يعد شعارًا إنشائيًا بل مسارًا يُختبر خطوة بعد أخرى. ما نشهده اليوم هو بداية تشكّل عراق مختلف: عراق يسعى لاستعادة قراره، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والسلاح، وبناء معادلة يكون فيها الاحتكام للقانون لا للنفوذ.
قد لا تكون النتائج فورية، وقد يكون الطريق معقدًا، لكن المؤكد أن هذه المرحلة ليست عابرة.
من يراقب المشهد بهدوء، يدرك أن ما كان يُتداول همسًا بدأ يجد طريقه إلى الواقع… وأن “العراق الجديد” لم يعد فكرة مؤجلة، بل مسارًا قيد التشكل.
في السياسة، لا تُقاس التحوّلات بما يقال علنًا، بل بما يتغير بصمت في قواعد اللعبة. وما يحدث اليوم ليس ضغوطًا ظرفية، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على استعادة مركزها الطبيعي. إما أن ينجح هذا المسار، أو يبقى العراق ساحة تدار لا دولة تدار بنفسها. فالمرحلة الحالية لا تحتمل الشعارات، بل تتطلب قرارًا واضحًا وقراءة دقيقة للتوقيت، لأن التاريخ لا ينتظر المترددين، ولأن الفرص الكبرى لا تتكرر مرتين.



























