بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
التفجيرات التي وقعت في دمشق تزامناً مع زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لا تعتبر خرقاً أمنياً عادياً، بل حملت رسائل سياسية وأمنية لضرب مسار التعافي ، حيث أراد منفذو التفجيرات إيصال رسالة بأن العاصمة السورية غير مستقرة، ومحاولة تشويه صورة سوريا كدولة تستعيد أمنها وشرعيتها الدولية وكذلك لترهيب المجتمع الدولي وزرع الخوف لدى الدول الغربية، وتخويف القادة العالميين من الانفتاح السياسي والاقتصادي بعدم تكرار خطوة ماكرون في زيارة دمشق ، يضاف الى ذلك ان توقيت العملية ومكانها بالقرب من مقر اقامة ماكرون، كان يهدف إثبات قدرة الخلايا على تنفيذ هجمات في قلب العاصمة رغم الإجراءات المشددة المصاحبة لموكب الرئيس الفرنسي وهي ايضاً ترهيب الدبلوماسية الغربية يهدف إلى إفهام باريس أن قرارها بكسر العزلة الدولية عن دمشق كأول دولة أوروبية كبرى تزور سوريا بعد سقوط النظام السابق هو خيار محفوف بالمخاطر الأمنية وكذلك تهديد الاستثمارات والاقتصاد، على اعتبار ان الزيارة ضمت وفداً كبيراً من رجال الأعمال والشركات الفرنسية لإعادة الإعمار وان التفجير جاء ليعطي إشارة سلبية بأن البيئة الاستثمارية غير آمنة بعد.
ضرب صورة “العهد الجديد“ في سوريا
تسعى السلطة السورية الجديدة لتقديم نفسها كبديل مستقر وقادر على ضبط الأمن وبناء علاقات متوازنة مع الغرب وان التفجيرات جاءت لتضرب هذا المفهوم في الصميم وتظهره كعاجز عن حماية العاصمة حتى أثناء حدث دبلوماسي ضخم وهي رسالة لأثبات أن الخصوم (مثل تنظيم داعش أو بقايا فلول الاسد وشبكات الصراع) مثل ايران وحزب الله اللبناني بانهم ما زالوا يمتلكون القدرة على اختراق الطوق الأمني لدمشق وتوجيه ضربات في التوقيت الذي يختارونه ، وتتمثل الأسباب والدلالات بالدور الإيراني ودور حزب الله في النقاط التالية:
- ترى القوى الإقليمية أن طهران وحزب الله هما الأكثر تضرراً من التحولات السياسية الجديدة في سوريا، لاسيما التقارب السوري مع الدول العربية والغربية مثل فرنسا، والذي يهدد نفوذهما التقليدي في البلاد.
- تسعى إيران للحفاظ على “وحدة الساحات” وربط الملف اللبناني بتحركاتها الإقليمية، بينما تدعم التوجهات الحالية (والدعم الفرنسي والخليجي) استقلال القرار السوري واللبناني بعيداً عن العباءة الإيرانية.
- رسائل أمنية لعرقلة الاستقرار، حيث يُنظر إلى التفجيرات على أنها رسائل أمنية لإثبات أن الإدارة السورية الجديدة غير قادرة على ضبط الأمن، وبالتالي إحباط مساعي الاستثمار الدولي وإعادة الإعمار التي يقودها ماكرون والوفد الاقتصادي المرافق له.
- خلايا وأدوات ميدانية لتحريك فلول النظام السابق أو استخدام خلايا محلية قد يكون الأداة الميدانية التي نُفذت بها هذه الهجمات بالوكالة لخدمة الأجندة الإيرانية في المنطقة.
- ترميم محور المقاومة من خلال محاولة طهران الحفاظ على سوريا كحلقة وصل جغرافية أساسية لضمان تدفق الإمدادات العسكرية واللوجستية إلى حزب الله في لبنان.
- البقاء قرب الحدود الإسرائيلية عبر ما تبقى من خلايا وميليشيات متخفية (مثل جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا) للاحتفاظ بساحة مواجهة متقدمة ضد إسرائيل من الجبهة الجنوبية وسلسلة جبال القلمون.
- تهدف ايران إلى إثبات أن الإدارة السورية الجديدة غير قادرة على ضبط الأمن بمفردها، وذلك لابتزاز دمشق ودفعها للقبول بوجود تنسيق أمني معها.
- استرداد الديون والاستثمارات الايرانية التي أنفقتها ايران لدعم النظام السابق، إلى جانب تأمين مشاريعها الاقتصادية الحيوية مثل خطوط نقل الغاز والربط البري.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان عملية التفجير جاءت لخلط الأوراق وسالة الى فرنسا بأن “اندفاعتها الدبلوماسية متسرعة”، وإخبار سوريا بأن “شرعيتها واستقرارها تحت الاختبار الأمني المستمر” ، إلا أن إصرار ماكرون على متابعة جدول أعماله والتقاط الصور مع الشرع عكس قراراً فرنسياً – سورياً بامتصاص الرسالة وإفشال أهدافه من قبل إيران وحزب الله كأطراف محتملة تقف وراء التفجيرات الأخيرة في دمشق بناءً على عدة معطيات ميدانية واستراتيجية، على الرغم من عدم تبني أي جهة للعملية بشكل رسمي حتى ، وكذلك فشل محاولات العزل الدبلوماسي من خلال أصرار الرئيس الفرنسي على استكمال زيارته التاريخية ولقاء الرئيس أحمد الشرع، مؤكداً أن الزيارة مستمرة وفق خطتها المقررة التي تمثلت بتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية ومذكرات تفاهم حيوية، شملت إعلان نوايا لاسترداد 51 مليون يورو من أصول رفعت الأسد المصادرة، ومشاريع لتطوير المشافي الجامعية مع شركات فرنسية، وبحث ملفات الطاقة والاستثمار.
لقد أفرز الحادث موجة تضامن دبلوماسي كبير مع الإدارة السورية الجديدة؛ حيث أصدرت السعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والكويت بيانات رسمية تدين الهجوم وتدعم الإجراءات السورية لحفظ الاستقرار من خلال الاستنفار الأمني من قبل الحكومة السورية الجديدة التي ستتعامل بحزم أكبر تجاه أي نفوذ متبقٍ لطهران وحزب الله داخل البلاد، معتبرة أن بقاءهم يهدد مكاسب الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي السوري ومن المتوقع أن تشهد سوريا محاولات تفجير تكتيكية معزولة ومتباعدة زمنياً، تهدف القوى المتضررة من خلالها إلى بث رسائل إعلامية سلبية حول هشاشة الوضع الأمني.



























