بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
بحسب ما تسرّب من التقارير الغربية خلال الساعات الأخيرة، فإن مسودة التفاهم التي تبحث الآن بين الولايات المتحدة وإيران ، تبدو أقرب إلى مذكرة إطار مختصرة بـ(14 بندًا تقريبًا) تمهّد لاتفاق أكبر، وليست اتفاقًا نهائيًا من خلال أبرز النقاط المتداولة حتى الآن التي تضمنت:
- وقف رسمي للتصعيد العسكري مايعني تثبيت وقف إطلاق النار ومنع أي هجمات مباشرة أو عبر وكلاء ايران في المنطقة خلال فترة التفاوض الأولى.
- نافذة تفاوض مدتها 30 يومًا عبر المسودة الجاري بحثها تمنح الطرفين فترة شهر تقريبًا لصياغة اتفاق دائم ومفصل.
- الملف النووي هو العقدة الأساسية بين واشنطن وايران حيث تطالب امريكا بتجميد تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة قد تصل إلى 12- 15سنة وفق بعض التسريبات، بينما تحاول إيران تقليص المدة أو جعلها مؤقتة.
- مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والية البحث حول إخراج جزء من المخزون الإيراني إلى خارج البلاد أو وضعه تحت رقابة دولية، وهي من أكثر النقاط حساسية.
- تخفيف تدريجي للعقوبات الأمريكية مقابل الالتزام النووي وتهدئة الملاحة، حيث تطرح واشنطن رفعًا تدريجيًا لبعض العقوبات والإفراج عن بعض الأصول المجمدة.
- إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وضمان حرية الملاحة ووقف أي تهديد للسفن التجارية، وهو بند ملحّ بسبب تأثيره على النفط العالمي.
- رقابة وتفتيش دولي يكمن بعودة فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمستويات تفتيش أوسع وأكثر سرعة.
- الملفات المؤجلة تتضمن برنامج الصواريخ الباليستية، والفصائل الحليفة لإيران في العراق ولبنان واليمن، ويبدو أنها لم تُحسم بالكامل في هذه المسودة الأولية.
ما يجري الآن ليس “اتفاق سلام نهائي”، بل اتفاق لشراء الوقت ومنع انفجار إقليمي أكبر، بينما تبقى العقدة الحقيقية في سؤال واحد: هل تقبل طهران بتجميد التخصيب طويلًا مقابل رفع العقوبات؟ إذا اطلعنا على البنود المسرّبة ببرود سياسي، نجد أن التنازل الأكبر حتى هذه اللحظة يميل من الجانب الإيراني أكثر من الأمريكي، على الرغم من قيام واشنطن أيضًا بخفّض سقفها العسكري ، حيث تكمن التنازلات الايرانية بتجميد التخصيب النووي لسنوات تمتد من12–15 سنة، بعدما كانت واشنطن تريد 20 سنة، فيما طرحت طهران 5 سنوات فقط في البداية وهذا يعني ، أن إيران تتحرك نحو حل وسط أقرب للرؤية الأمريكية ، يضاف الى ذلك موافقة طهران مبدئياً باخراج اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج أو وضعه تحت ترتيبات دولية، وهي النقطة التي كانت طهران ترفضها بشدة سابقًا ،اضافة الى قبول الرقابة على برنامجها النووي بشكل أوسع ، حيث تتحدث المسودة عن توسيع اكبر لدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعمليات تفتيش أكثر صرامة، بالمقابل قدّمت واشنطن تنازلات تتعلق بتخفيف أو رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن مليارات من الأموال الإيرانية المجمدة وبدء تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية وكذلك خفض التصعيد العسكري ، مايعني ان واشنطن انتقلت من لغة الضغط العسكري إلى مذكرة مؤقتة ونافذة تفاوض 30 يومًا بدل فرض حل بالقوة ، اضافة الى رفع القيود البحرية بشكل متبادل أثناء فترة التفاوض.
إذا قبلت إيران بتجميد طويل للتخصيب وإخراج المخزون النووي، فهذا يُعد تنازلًا استراتيجيًا كبيرًا من طهران ، في حين إذا وافقت واشنطن على رفع العقوبات قبل حسم ملف الصواريخ والفصائل الإقليمية، فهذا تنازل تكتيكي أمريكي لكسب التهدئة.
النتائج والتوقعات
حتى الآن، يبدو أن واشنطن تريد تجميد “الخطر النووي” أولًا، بينما تريد طهران “كسر الحصار الاقتصادي” أولًا ومن ينجح في فرض ترتيب الأولويات سيكون صاحب المكسب الأكبر.
اذا اخذنا القراءة الداخلية لمراكز القوة داخل إيران، في حال وقعت ايران على مسودة الاتفاق قد يظهر صراع تقليدي بين البازار الذي يمثل القوة الاقتصادية والتجارية) والحرس الثوري الإيراني المتحكم بالقرار ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ، ان البازار أكثر اندفاعًا نحو الاتفاق كونه ليس مجرد سوق وانما شبكة من التجار والصناعيين والممولين المرتبطين بالاقتصاد الإيراني منذ عقود في ظل العقوبات المالية التي أرهقت الاستيراد والتحويلات البنكية التي ادت الى تراجع قيمة العملة المحلية ورفع كلفة المواد الأولية وصعوبة بيع النفط والوصول إلى العملات الصعبة ، لان رجال الأعمال يخشون أن يؤدي أي إغلاق طويل في مضيق هرمز إلى ضربة إضافية للاقتصاد، لهذا يدفع البازار باتجاه اتفاق سريع حتى لو كان مؤلمًا نوويًا مقابل تنفس اقتصادي، في حين قد يتحفظ الحرس الثوري على التوقيع ، لانهم ينظرون الى البرنامج النووي كأداة ردع و كذلك النفوذ الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان واليمن يمثل جزء من منظومة الردع وان أي رقابة دولية موسعة قد تُفسر داخليًا كتراجع استراتيجي، خصوصاً ان بعض الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحرس استفادت أصلًا من “اقتصاد العقوبات” لهذا يسعى الحرس الثوري إلى اتفاق لا يمس جوهر القوة العسكرية أو الإقليمية ، فهذا يوحي أن التيار الاقتصادي “البازار” قد اكتسب وزنًا أكبر.




























