بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
في قلب الصمود الأردني، حيث تنحني العواصف أمام صلابة العشيرة والوطن، حاولت خفافيش الظلام والغدر أن تنال من أثمن ما يملكه الأردن: كبريائه وسِلمه الأهلي ، إن الهجوم الإرهابي الغادر الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأبية، لم يكن مجرد اعتداء آثم على مكان عبادة أو استهداف لآمنين، بل كان طعنة غادرة في صدر التآخي والتعايش التاريخي الذي صاغه الأردنيون بدمائهم وعزمهم عبر القرون ، لكن الكرك برمزيتها الضاربة في عمق التاريخ، تأبى أن تكون مسرحاً للفتنة، ليرتد كيد الإرهاب في نحره، وتتحول دماء الشهداء والجرحى إلى وقود يشعل نار التلاحم الوطني؛ فما أرادوه تقسيماً وخراباً، لم يزد هذا الشعب إلا تماسكاً وتجذراً في أرض الأنبياء والشهداء ، في ليلةٍ أرادها طغاة الفكر خريفاً لتمزيق الأردن، واجهت الكرك الإرهاب بصدورٍ عارية وبإرادة لا تنكسر!
إن الجريمة النكراء التي استهدفت الكنيسة في بلدة حمود، لم تكن مجرد رصاصات غادرة ، بل كانت زلزالاً غادراً لاستهداف ركائز الدولة الأردنية، وطعن النسيج المجتمعي في مقتله، إنها محاولة خسيسة لتحويل أرض التآخي التاريخي إلى ساحة حرب طائفية، وإحراق قيم العيش المشترك التي تآخت فيها المآذن مع الكنائس عبر القرون.
تتجاوز أبعاد هذا العمل الإجرامي حدود الترويع الأمني؛ فهو مخطط ممنهج لضرب السلم الأهلي، واختبار صلابة الجبهة الداخلية، وتشويه الهوية الأردنية الجامعة التي لطالما تحطمت على صخرتها كافة المؤامرات الإقليمية وفي هذا المقال، نفتح ملفات هذا الاعتداء السافر، لنسلّط الضوء على أبعاده العميقة، ونكشف كيف تحول المخطط الإرهابي من محاولة لبث الرعب والفرقة، إلى ملحمة ثبات جديدة تثبت للعالم أجمع أن دماء الأردنيين عصية على الانقسام، وأن الأردن سيبقى قلعة شامخة تتحطم على أسوارها أوهام المتطرفين وسنفكك الأبعاد التي دفعت هؤلاء المجرمين ومن يقف خلفهم لتنفيذ هذا العمل الجبان.
أولاً: البُعد الأمني والسياسي (رسائل الدم المرتدة)
لم يكن اختيار محافظة الكرك تحديداً، وبلدة “حمود” على وجه الخصوص، عفوياً من قِبل قوى الظلام؛ بل حمل أبعاداً ورسائل أمنية وسياسية خبيثة تم تفكيكها برّد حازم:
- اختبار صلابة الدولة: أرادت العصابة الإرهابية توجيه رسالة تحدٍّ سافرة للأجهزة الأمنية الأردنية، ومحاولة إظهار القدرة على اختراق العمق الأردني وضرب أهدافه الحيوية في أوقات ومناسبات دينية حساسة.
- محاولة زعزعة الاستقرار في ظل إقليم مشتعل: سعى المخططون خلف الكواليس إلى استغلال الأوضاع الإقليمية المضطربة المحيطة بالمملكة، لإرسال رسالة للعالم بأن الأردن ليس بمنأى عن الفوضى، وهي محاولة يائسة لضرب الاقتصاد والاستقرار السياسي الذي تميزت به الدولة.
- استغلاف إستراتيجية “الذئاب المنفردة“: كشف الحادث عن خطورة الخلايا النائمة أو الأفراد المتأثرين بالفكر التكفيري العابر للحدود، ما يضع التحدي الأمني أمام مرحلة جديدة تتطلب يقظة استخباراتية ومجتمعية استباقية لقطع دابر هذه الأفكار قبل تحولها إلى رصاص موجه لصدور الأبرياء.
- محاولة زعزعة الاستقرار في ظل إقليم مشتعل: سعى المخططون خلف الكواليس إلى استغلال الأوضاع الإقليمية المضطربة المحيطة بالمملكة، لإرسال رسالة للعالم بأن الأردن ليس بمنأى عن الفوضى، وهي محاولة يائسة لضرب الاقتصاد والاستقرار السياسي الذي تميزت به الدولة.
ثانياً: البُعد المجتمعي (النسيج العصيِّ على التمزق)
هنا تجسدت الخسارة الأكبر للإرهابيين؛ فالهدف الأسمى الذي سهروا على تخطيطه صُعق بصخرة الوعي العشائري والأردني الجامع:
- الطعنة الفاشلة في خاصرة التعايش: استهداف كنيسة القديس جورجيوس ، كان يهدف بوضوح إلى إشعال فتيل فتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس ، لكن الرد جاء صاعقاً عندما تحولت بيوت ومضافات عشائر الكرك المسلمة والمسيحية إلى خندق واحد؛ فالمصاب واحد، والدم واحد.
- تلاحم العشيرة والدولة: أثبت الوعي المجتمعي في الكرك أن العشائر الأردنية هي الصمام الرديف للأجهزة الأمنية؛ حيث التف المواطنون حول قيادتهم وجيشهم وأجهزتهم الاستخباراتية، رافضين الانجرار خلف أي خطابات مشبوهة أو تصفية حسابات تخدم أجندة القتلة.
- تجديد الهوية الوطنية الجامعة: بدلاً من تفكيك المجتمع، تسبب الحادث في موجة تضامن وطني غير مسبوقة عمت أرجاء المملكة، مؤكدةً أن مسيحية الأردن ومسلميه ليسوا جيراناً فحسب، بل هم شركاء الدم، والأرض، والتاريخ، والمستقبل.
صمام الأمان للشعب الاردني
تحمل الزيارة الميدانية السريعة التي قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى مستشفى الكرك الحكومي للاطمئنان على مصابي الهجوم الإرهابي على كنيسة بلدة حمود، أبعاداً سياسية، وأمنية، ومجتمعية بالغة الأهمية والدلالة ولم تكن الزيارة مجرد لفتة إنسانية لمواساة الجرحى، بل حملت رسائل استراتيجية حازمة للداخل والخارج.
أولاً: البُعد القيادي والإنساني (الملك بين أبنائه في خندق الألم)
- الوجود الفوري في الميدان: عكست السرعة التي توجه بها جلالة الملك إلى محافظة الكرك فور وقوع الحادث عمق الاستجابة والاهتمام الملكي المباشر بالأزمة وهي رسالة طمأنينة مباشرة للشارع الأردني بأن القيادة تقف في خط المواجهة الأول مع أبنائها في أحلك الظروف.
- المساواة في المواطنة والمصير: بزيارته لمصابي العمل الاجرامي ، يرسخ الملك المفهوم الهاشمي للمواطنة: “دم الأردني غالي” دون تفرقة بين دين أو عرق. هذه اللفتة تؤكد مجدداً أن الاعتداء على أي مواطن أو دار عبادة مسيحية هو اعتداء مباشر على الدولة الأردنية بأكملها.
ثانياً: البُعد العسكري والأمني (رسالة الحزم والردع بالزي العسكري)
- دلالة المظهر العسكري والسلاح الشخصي: أثارت صور جلالة الملك وهو يرتدي الزي العسكري حاملاً سلاحه الخاص ومخازن الذخيرة (العتاد التكتيكي) تفاعلاً وتحليلاً واسعاً وهذا المظهر لم يكن بروتوكولياً، بل هو رسالة ردع واضحة ومباشرة لأعداء الأردن والجهات الإرهابية ، تفيد بأن المملكة في حالة استنفار وجاهزية عسكرية قصوى، وأن الرد على الإرهاب لن يكون سياسياً فحسب، بل سيكون حازماً وقاسياً بالميدان.
- الضرب بيد من حديد: تُرجم هذا المظهر في تصريحات الملك المباشرة والحادة: “سنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد“، متوعداً بمواجهة هذا العمل الآثم بأشد العقوبات القانونية والعسكرية، مما يمنح الأجهزة الأمنية غطاءً ملكياً مطلقاً لاجتثاث بقايا الخلايا المتطرفة.
ثالثاً: البُعد السياسي والاجتماعي (تحطيم أوهام الفتنة)
- الردع الفكري لرسائل التقسيم: أكد الملك في تصريحاته عبر منصة “إكس” على فشل المخطط الإرهابي في تحقيق أهدافه الخبيثة: “من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا“ هذه العبارة نسفت الهدف الإستراتيجي للإرهابيين وهو إحداث شرخ طائفي.
- ترسيخ وحدة الجغرافيا والديمغرافيا: شدد جلالته على أن “جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر” و تعيد هذه الكلمات صياغة الرواية الوطنية الأردنية وتغلق الباب أمام أي محاولات إقليمية أو داخلية لزعزعة السلم الأهلي، معلنةً تفوق التلاحم الشعبي على الرصاص الغادر.























