بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
يُعد الفساد المالي من أخطر التحديات التي تواجه الحكومات، حيث يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة، ويهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي. في العراق، ومنذ عام 2003، تحول الفساد إلى ظاهرة مؤسسية تنخر في جسد الدولة، حيث تم نهب مليارات الدولارات من أموال الموازنة العامة من قبل المسؤولين والسياسيين، وسط غياب المحاسبة الحقيقية. ومع تزايد الفضائح المالية وتفشي المحسوبية، أصبح الفساد في العراق حديث الرأي العام المحلي والدولي، مما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل النظام السياسي في البلاد.
ومنذ احتلال العراق في 2003 ، دخل العراق في مرحلة سياسية جديدة، لكنها سرعان ما تحولت إلى بيئة خصبة للفساد المالي بسبب المحاصصة الحزبية والطائفية. فقد تم توزيع المناصب وفق ولاءات سياسية بدلاً من الكفاءة، مما أدى إلى سيطرة مجموعات نافذة على موارد الدولة، ونهب مليارات الدولارات من المال العام. وأصبحت الوزارات والمؤسسات الحكومية مرتعًا للرشاوى والعقود الوهمية، حيث تم الكشف عن عشرات الصفقات المشبوهة، سواء في قطاع النفط، أو إعادة الإعمار، أو حتى في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية.
إن النظام السياسي في العراق يعتمد بشكل أساسي على إيرادات النفط، حيث يشكل أكثر من 90% من دخل الحكومة. ورغم الميزانيات الضخمة التي أُقرت على مدى السنوات الماضية، إلا أن الدولة لم تستثمر في تطوير القطاع الصناعي أو الزراعي أو دعم القطاع الخاص، ما جعل الاقتصاد هشًا ومعرضًا للخطر في حال انخفاض أسعار النفط. ولو لم تكن هناك عائدات كبيرة من بيع النفط، لكانت الحكومة قد أعلنت إفلاسها منذ سنوات بسبب النهب المستمر للمال العام.
إضافة إلى ذلك، ساهم الفساد في انتشار ما يُعرف بـ“البطالة المقنعة“، حيث يتم تعيين آلاف الموظفين سنويًا لأغراض انتخابية لا أكثر، دون وجود حاجة حقيقية لهم، ما يثقل كاهل الموازنة برواتب تُدفع دون إنتاجية فعلية. كما أدى التوظيف العشوائي إلى ضعف الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء، حيث لا تتناسب المخرجات مع حجم الإنفاق الحكومي الكبير.
ولم يقتصر الفساد المالي في العراق على النهب الداخلي، بل امتد إلى تهريب الأموال إلى الخارج، خاصة عبر تهريب الدولار إلى إيران من خلال مزاد العملة في البنك المركزي العراقي. وقد كشفت تقارير محلية ودولية عن عمليات تهريب بمليارات الدولارات، مما تسبب في انخفاض قيمة الدينار العراقي، وزيادة التضخم، وارتفاع الأسعار داخل البلاد.
هذه الفضائح لم تعد خافية على المجتمع الدولي، حيث أصبحت المؤسسات المالية العالمية والدول الكبرى تراقب عن كثب حركة الأموال في العراق، مما يضع الحكومة تحت ضغوط متزايدة قد تؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية أو تقييد التحويلات المالية، وهو ما سيعمّق الأزمة الاقتصادية أكثر.
إن الفساد المستشري يؤدي إلى تآكل شرعية الحكومات، حيث يفقد المواطنون ثقتهم في المؤسسات الرسمية، مما يولّد غضبًا شعبيًا واسعًا قد يتطور إلى احتجاجات عنيفة تهدد بقاء النظام السياسي. وقد شهد العراق بالفعل مظاهرات شعبية كبرى، خاصة في 2019، طالبت بالقضاء على الفساد وإسقاط الطبقة الحاكمة. ورغم محاولات الحكومات المتعاقبة احتواء الأزمة بوعود الإصلاح، إلا أن استمرار الفساد وغياب أي محاسبة حقيقية يجعل السخط الشعبي يتراكم، ما قد يؤدي إلى انفجار جديد قد لا تستطيع الحكومة احتواءه هذه المرة.
ختاماً فان العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير، فإما أن تتخذ الحكومة إجراءات حقيقية لمكافحة الفساد وإصلاح الاقتصاد، وهو مطلب مستبعد في ظل الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكم العراق، أو أن يستمر الانحدار حتى تصل البلاد إلى حافة الانهيار المالي والسياسي. إن استمرار الاعتماد على النفط وحده دون تنويع مصادر الدخل، واستمرار نهب الأموال دون مساءلة، جعل من العراق نموذجًا لدولة فاشلة، حيث الفقر والبطالة وانعدام الخدمات، في ظل طبقة سياسية فاسدة لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة. إن الإصلاح لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة.





























