عمّان: وكالة أخبار العرب
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتسارع قدرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتنامية، يبرز تحدٍ أكثر عمقًا من التكنولوجيا نفسها: كيف ستتغير طبيعة المؤسسة في عصر أصبحت فيه المعرفة والبيانات والقدرات الرقمية جزءًا أساسيًا من عملية إنتاج القيمة وصناعة القرار؟
هذا التحدي شكّل محور الرؤية التي قدمتها الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح خلال مشاركتها متحدثة رئيسية في مؤتمر GWTS 2026، حيث طرحت تصورًا يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم المؤسسة التقليدية، والانتقال من التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة للأعمال إلى اعتباره جزءًا من البنية المؤسسية ذاتها.
وخلال كلمتها، أوضحت آل صلاح أن جوهر التحول الحالي لا يتعلق بإدخال أدوات أكثر تطورًا إلى بيئة العمل، بل بإعادة تعريف الوظيفة نفسها بوصفها مجموعة من القدرات والمسؤوليات التي يمكن تنظيمها وإدارتها وتطويرها داخل المؤسسة، سواء أُنجزت بواسطة العنصر البشري أو من خلال قدرات رقمية متخصصة تعمل ضمن أطر واضحة من الحوكمة والمساءلة.
وفي هذا السياق، استعرضت نموذج “الموظف الرقمي” باعتباره أحد النماذج المؤسسية الناشئة التي تعكس هذا التحول، موضحة أن القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في أتمتة المهام التقليدية، وإنما في تعزيز قدرة المؤسسة على إنتاج المعرفة وتحليل المعلومات وتسريع الوصول إلى الرؤى التي تدعم عملية اتخاذ القرار.
كما حصدت الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح جائزة خلال مؤتمر GWTS 2026 عن منتجها “الموظف الرقمي”، الذي طورته مؤسسة مروة صلاح لتقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، تقديرًا لتميزه كأحد الحلول المبتكرة في توظيف الذكاء الاصطناعي لبناء نموذج مؤسسي يعزز الإنتاجية، ويدعم اتخاذ القرار، ويرتقي بكفاءة المؤسسات في عصر التحول الرقمي.
وأكدت أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في توسيع القدرات المؤسسية لا في استبدال العنصر البشري، ضمن نموذج يجمع بين الخبرة الإنسانية والقدرات التحليلية الرقمية.
كما تناولت أهمية الحوكمة باعتبارها أحد المكونات الجوهرية في أي نموذج مؤسسي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن الثقة لن تُبنى من خلال القدرات التقنية وحدها، بل من خلال الشفافية، وقابلية المراجعة، ووضوح المسؤوليات، وآليات المساءلة المؤسسية.
وعلى هامش المؤتمر، شاركت آل صلاح محكّمة رسمية ضمن فعاليات Startup World Cup Jordan، حيث ساهمت في تقييم مجموعة من الشركات الناشئة والمشروعات التقنية التي تمثل اتجاهات مختلفة في مجالات الابتكار وريادة الأعمال والتقنيات الناشئة.
وأكدت أن بيئة الابتكار العالمية تشهد تحولًا متسارعًا نحو نماذج أعمال تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، وهو ما يفرض على المؤسسات والأنظمة التعليمية والاقتصادية تطوير أدوات جديدة قادرة على مواكبة هذه التحولات والاستفادة منها.
وشكّل المؤتمر مساحة حوار متعددة التخصصات جمعت مسؤولين تنفيذيين وباحثين ورواد أعمال وخبراء تقنيين ومستثمرين من خلفيات متنوعة، ما أتاح نقاشات معمقة حول مستقبل المؤسسات والتحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي عالميًا.
كما ضمت لجنة التحكيم خبرات تمثل قطاعات التكنولوجيا والاستثمار وريادة الأعمال والسياسات العامة، وهو ما أضفى على عملية التقييم منظورًا متوازنًا يجمع بين الجوانب التقنية والتجارية والاستراتيجية.
وشهدت الجلسات تفاعلًا لافتًا من المشاركين، عكس الاهتمام المتزايد بالقضايا المرتبطة بمستقبل العمل والتحول المؤسسي والذكاء الاصطناعي، وهي موضوعات أصبحت تتصدر أجندة النقاش الاقتصادي والتنموي في مختلف أنحاء العالم.
وأضافت آل صلاح أن التحولات الجارية تفتح المجال أمام الكفاءات العربية للمساهمة بصورة أكبر في إنتاج المعرفة وتطوير النماذج الفكرية والتنظيمية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، مشيرة إلى أن المنافسة العالمية في المستقبل لن تقوم فقط على امتلاك التكنولوجيا، بل على القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية ومؤسسية مستدامة.
ويأتي النقاش الذي طُرح خلال GWTS 2026 في وقت تتجه فيه المؤسسات حول العالم إلى مراجعة نماذجها التشغيلية وأساليب اتخاذ القرار في ظل التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، تبرز إعادة تعريف المؤسسة بوصفها واحدة من القضايا الاستراتيجية التي ستؤثر في مستقبل العمل والإنتاج وإدارة المعرفة خلال العقود المقبلة.



























